مدخل:

847. خَليليَّ هيَّا واسمَعا الشِّعرَ مـن قَولي      فقدْ عادتِ الأحداثُ  تَترى على عَقلي  

848. أَصوغُ لكمْ  ما  كانَ  بالأمسِ  واقِعاً     وأُخبرُكمْ عن خصب عَيشٍ وعنْ  مَحْلِ

849. فإن عُدتُ للأحزانِ  والسَّأمِ  والأسى      فمنْ ذا الذي ذاقَ النعـيمَ   بِلا   أزْلِ؟

850. تغربتُ  منذُ  الصِّغِرِ   للعلمِ   طَـالباً     بعيداً  عنِ  الأوطانِ  والربَّـعِ   والأهلِ

851. ففي  أولِ الستينَ    والعُمْرُ  مُقـبِـلٌ     رَحلتُ   لأمريكا   وحـيداً    بـلا   خـلِّ

852. رَحلتُ   ورَيعانُ   الشَّبـابِ   يَهزُّني     إلى  مِهنةِ  الإنسانِ  والعَطفِ   والنُّبْلِ

853. وذقتُ بأمريكا  سِنيناً  مـنِ   الأسى     وسأماً مع  التغريبِ  بالجِسـمِ   والعَقلِ

854. أجوبُ طَوالَ  العَشرِ دَرساً   ومَعْمَلاً     وآلافَ  أمراضٍ   منَ   الرأسِ   للرجلِ

تكساس:

855. بدأتُ   (ببَيْـتَونَ)  الصغيرةِ   رحلتي     صغيراً  بتكساسٍ أسـيرُ  على   رجلي

856. أترجمُ ما في الدرسِ  والكتبِ  تائهاً      يرافقني القاموسُ  في البيتِ  والفصلِ

857. فأُجهدُ   نفسي  في  تعلّمِ    لغْوهم      لقد صحَّحوا نُطقي  وأَثنَوا علـى قولي

858. ولمّا مضى فصلانِ صارت  رطينتي      تؤهلُني  للسيرِ  فـي   أوعـرِ   السُّبلِ

859. فطال جناحي  واستطالت   عزائمي      فطرتُ  إلى العلياءِ    يرفعني  عــقلي

بولدر:

860. فكان  نصيبي  أن   أَلُـمَّ   (بِبولْدرٍ)     بصيفٍ كأنَّ الشمسَ  ألطفُ  من  ظلِّ

861. تُحيطُ  بها  الجناتُ  من  كلِّ جانبٍ     مياهٌ   وأجبالٌ   مع    الشجـــرِ  الغتْلِ

862. وما    بــولدرٌ   إلا   نعيمٌ   لطالبٍ     جنانٌ بها  للحُـسنِ  تُبهجُ  أو   تُسلي

863. ففي بولدرِ الأحبابِ سارت  سفينتي     تشقُّ عُباب  البحرِ تُبعدُ   عن   جـهلِ

864. فوسّعتُ قبل  الطبِ  فيها   معارفي     من  العـلـمِ   والآدابِ  أغرِفُ  بالسَجلِ

865. وأقحمت  نفسي  في بحورٍ  عميقةٍ     سبحت  إلى   بــرِّ الأمانِ  علـى  مهلِ

866. وجرَّبت  كأسَ الحُبِّ حتـى   تفجرت     كوامنُ ما  في  النفسِ  شعراً  به أَبلي

867. فللّه  أيامٌ   مـن  الأُنـسِ    والهوى     ولله   أيامٌ    بــها    نِعمةُ    الوصــلِ

868. سأمدحها    حــتى   أُوَفّيَ    حـقَّها     لها الُله من دارٍ بها   طابَ لي  نهلي

دنفر:

869. وما (دَنْـفَرٌ) داراً   لأنسٍ   (كبولدرٍ)     بها  سَهَرٌ  مضنٍ  وبعدٌ   عــن  الخلِّ

870. ولكنني    طــوراً    نعِمـتُ    بجـنةٍ     وطوراً أقاسي النار في مهجتي  تَصلي

871. كذلك    أيامـي    بدنـــفرَ     طـالباً     صعوداً إلى صـعبٍ  وعوداً إلى   سهلِ

872.  مشيت  بها  والثلـجُ  يغمُرُ  سُبْلَها     فتسبُلُ عينايَ  من  البـردِ  في  السُّبْلِ

873. وتغطُسُ  رجلي  في   الثلوجِ  كأنها     مقيّدةً  والقيدُ   ثلجٌ    على   الرجــلِ

874. وكم قدْ فقدنا الشمسَ فيها فإنْ بدتْ     بدا قرصُها  من  غيرِ  دفئٍ  ولا  ظلِّ

875. تعلّمتُ    فيها    واعتـلوتُ  جبـالَها     وصَيَّرتُ أهلَ الجِنِّ فـي سفحِها  أهلي

876. فأسهَرُ بينَ الكُتْبِ  في  فَترةِ  الكَرى     أكُرُّ  على   الصَّفـحاتِ   والفَـرُّ   لليلِ

877. فيُسرعُ  عني  الليلُ  والصُّبحُ  مُنذرٌ     بأسئلةٍ   عَسـراءَ    أسوأَ   من   قَتلِ

878. فكتبيَ   كانت   كالرواسي    ثقيـلةً     فلو  سقطت  فوقي  لكان  بـها  قتلي

879. وحفلاتِ    شبّانٍ    تُقـامُ    بــدنفرٍ     يدومُ بها رقصٌ  ولِعبٌ   مـدى   الليلِ

880. ترفعتُ عنها  رافعاً   سمتَ  هامتي     أُشيِّد  حصني  من   إباءٍ  عـن  الزلِّ

881. فما  كنت  منقاداً  لمن جنَّ  ماجناً      تعقّلتُ  منْ  صِغْري  فأعقلني  عقلي

882. فقد  صانني عقلي  ودينـي  وعِفَّتي     بحِصنٍ  منيعٍ   لا   تَزِلُّ  به   نعــلي

883. نشأت على الآدابِ  والدينِ  والتُّقى      وشِبتُ  كطودٍِ  راسخ الفرعِ   والأصلِ

كنساس:

884. لياليَ  في (كنساسَ)  كانت سقيمةً      ففي وَحدةِ الإنعاشِ سُهدٌ  سبى ليلي

885. تَدرَّبتُ    فيها   واشتـغلتُ    مثـابراً     على راحةِ المرضى ، فأرهقني  شغلي

886. فأبلـيـت     إبـلاءً    أَزيلُ     بلــيّةً      فساعدني   ربــي   وحسّنَ  لي فعلي

887. فما عشت  فيـها  غيرَ عامٍ   مُكَبلاً     وغادرتُها كالطير لما  انقضى   حولي

بورتلاند:

888. فطرتُ إلى (بُورْتْلاندَ) دارِ تخصُّصي     لأكسِبَ خِبراتٍ  من   العــلمِ   والفضلِ

889. وأمضيتُ  بعدَ العشرِ  للقَلبِ   أربعاً     بذلتُ   لهُ  جُهـدي   فأجـهَدَني  بَذْلي

890. فأكمـلتُ   فيـها    خُطَّتي   وتَدرُّبي      سعيداً  حميدَ  العيشِ  والذكر  والفعلِ

891. أحِنُّ  إلى الأوطانِ  والسِّيفِ  والنَّقا      وإن كنتُ في تلك الولاياتِ  في  شُغلِ

892. ولستُ الذي  يَنسى  ظِباءً  بأرضِها     كحورٍ من  الجنّاتِ   بالأعينِ   النُّجـلِ

893. تفرِّجُ   همِّي   ظبيةٌ   منْ   ظِبائها     بدفءٍ  من  العينينِ   والعُنُقِ  الطَّفـلِ

894. كأنَّ  غيومَ  السُّحبِ  تحتَ  سَمائها     زخارفُ    فنّانٍ    ملــونةُ     الشــكلِ

895. وقد   زانَها  ربي    بزهرٍ   وخُضـرةٍ     وأمطارُها  في  العـام   دائمةُ   الهطلِ

896. ونهرٌ  جمـيلٌ  ملتوٍ  في     متونِها     كما خطَّ  ثعبانٌ  علـى  صفحة  الرمل

الحنين إلى الخليج:

897. تَنقَّلتُ  بين  الشرقِ  والغربِ دَارِساً     أعدُّ   من  الأيـامِ   ما   ظلَّ   للوصلِ

898. أحِنُّ  إلى  أرض   الخليـجِ  وأهلِــها     وشيبانها والـدارِ   والصَّحبِ    والأهـلِ

899. وصوتٍ  شَجيٍّ   يُطربُ  الأُذنَ  ليِّنٍ     يُهدِّئُ من روعي ومنْ  وَحشةٍ  يُسلي

900. دعوتُ  إلهي  كي   يُقرِّبَ  عَــودتي     إلى الأهلِ  والخِلاّنِ  والبَحـرِ   والنخلِ 

901. ففي آخرِ  السبعينَ  أتمَمْتُ  رِحلتي     ونِلتُ  الذي شَدَّدتُ  من أجلهِ   رَحلي

902. فعُدتُ  إلى  الأوطانِ  أفتحُ   صفحةً    لطبِّ  علومِ  القلبِ  ما  فُتحتْ   قَبلي

903. ذهبتُ  فتى  الفتيانِ  كاللَّيلِ   لِمَّتي     وعدتُ  ونُورُ الصُّبحِ أشرقَ في  لَيلي    

الشرح:

848. المَحْل: الجدب.

849. الأزل: الشدة والضيق.

850. الرَّبع: الأصدقاء (خليج).

851. أول الستين: وقد سافرت إلى الولايات المتحدة للدراسة سنة 1964.

854. العشر: العشر سنوات الأولى.

855. بيتاون: اسم مدينة صغيرة في ولاية تكساس  (Baytown, Texas)

860. بولدر: اسم مدينة في كولورادو (Boulder, Colorado)  بها الفرع الرئيسي للجامعة.

864. السجل: الدلو.

869. دَنْـفَر: اسم مدينة في ولاية كولورادو (Denver, Colorado)  بها كلية الطب.

875. (أهل الجن) إشارة إلى قصيدتي الغزلية (جنية دنفر).

883. الطود: الجبل.

884. كنساس: اسم مدينة واسم ولاية أمريكية  Kansas city, Kansas)).

888. بورتلاند:  اسم مدينة في ولاية أورجن (Portland, Oregon)  بها مستشفى جامعة أورجن.

892. النجل: الواسعة.

893. الطفل: الناعم.

898. الشيبان: كبار السن من الرجال (خليج).

Go to top