قصة القصيدة: أثناء حرب 1967 بين العرب وإسرائيل كان الشاعر يعيش في مدينة بولدر، حيث كان طالبَ طبٍّ تمهيدي في جامعة كولورادو الأمريكية، كما كان رئيساً لنادي الطلبة العرب فيها. فكان وزملاؤه العرب يشاهدون مناظرَ مؤلمة لأحداث الحرب على شاشات التلفزيون الأمريكي المؤيد لإسرائل والمتحامل على العرب. وتفاقمت التعليقات الساخرة والنوادر الهازئة بالعرب وجيوشهم، من المذيعين والممثلين الكوميديين الأمريكيين. مما جعل الطلبة العرب في الولايات المتحدة يشعرون بالأسى والحزن لما يسمعون ويشاهدون على شاشات التلفزيون.

وكان الشاعر يسجل خواطره وما يحسّ به وزملاؤه في قصائد تشكل بدايات مسيرته الشعرية.

وكان يقرأ في تلك الأيام بعض القصائد من الشعر الحديث في المجلات والجرائد العربية، وحاول أن يجرب أو يقلد ذلك الشعر الحديث أثناء كتابته قصيدة التلفزيون الأمريكي وحرب 1967.

والآن وبعدما يقرب من أربعة عقود من كتابته لتلك القصيدة، وجد نفسه تائهاً في قراءتها. وكان قد كتب فقرات القصيدة في أوقات مختلفة. ولولا أنها جزء من ذكرياته الشخصية آنذاك ومشاعره لتبرأ منها وألغاها، لمخالفتها للذوق الشعري التراثي الذي يفتخر به. ولقد لاحظ أحد أسباب انزاعجه منها الآن، ذلك أنّ عدد التفعيلات في الأبيات غير متساو، فقام بإعادة ترتيب الأبيات وجعل أبيات التفعلتين (متفاعلن متفاعلن) أي المجزوء معاً (أ)، وأبيات الخمس تفعيلات (شطر كامل وشطر مجزوء) معاً (ب)، وترك الأبيات الكاملة بنفسها (ج). أما الفقرتان الأخيرتان (د) فهما أقرب ما تكونان للشعر الحديث.

(أ)

هَزئ المذيعُ وكرَّرا

قولاً سخيفاً منكرا

ما باله قد إفترى

كذباً علينا في الورى

أَطرى الأعادي وانبرى

يطري النحيسَ الأعوَرا (1)

ـــ

يا ليته قد أقصرا

أمواتَنا ما أظهرا

ياويلَهُ قد فجَّــرا

دمعاً يغطي المِحْجَرا

ينصبُّ ماءً ممطرا

دمعاً غزيراً أحمرا

ـــ

فأدرتُ رأسي لا أرى

أشلاء شعبي في العرا

منثورةً فوقَ الثَّرى (2)

ـــ

زعمَ المصورُ أبصرا

جيشَ العروبة مُدبرا

يا ويحَنا ماذا جرى؟

كنّا أسوداً في الشرى

والآن نرجع للورا

يا ويحـنا لن نُعذرا

أين الحقيقةُ يا تُرى

فيما يقال ويُفترى؟

(ب)

 

يروي   (أبا إيبـانُ)  قولاً   مـنكرا      كـذباً    يـردِّدُ  مُفـتـرى(3)

عن أرضنا عن قدسنا قد  إفترى      والناسُ تجــهلُ  ما جرى

قد قال إن جيوشَهم تزجي القِرى      تُقري   الفقـيـرَ  المُـعسِرا

بل وحّدت  قدساً شــريفاً   أكبرا      وسقت عِطاشاً في القُرى(4)

(ج)

ياربِّ أيُّ  مصيبةٍ  حـاقـت  بنا      حــتـى  غــدونا    للتـندُّرِ   مِـنبرا؟

أعداؤنا في ذي الديار تنادروا      واستهزؤوا بالعُربِ من دون الوَرى(5)

لاقيتُ غمًّا  قـاتلاً   فيـمـا بدا      مَن  ذا  يكـونُ  لـمـا  أودُّ  مـبـشرا؟

يروي لنا أنّا صمــدنا  للعِدى       لو   أنّهـم  نـجـحـوا  وكـانَ  مقدَّرا

فاسلم أيا وطـني وأعددْ للجَلا      جيشَ  الشـهــادةِ    زاحـفاً  ومكبِّرا

وانصر إلهي أمتي في  حربها      إنّي  دعــوتك  يا إلـهي   فانـصرا

(د)

فأتى أبا إيبانُ..

مندوبُ اليهودِ

يهذي ويروي للوفودِ

عن قدسنا وعن الحدودِ

ويقول هذي الأرضُ كانت ملكنا

واللهُ أعطى لليهودِ

ـــ

أختاه.... يا أختاه..لا..

لا تسمعي هذا الهُراءْ

لا تسمعي كلَّ الوعودِ

إنّ الحقيقة لن تعودي

حتى يصيحَ بنو أبيكِ..

من المحيط إلى الخليجْ:

"ألغوا الحدودَ وأنشدوا

"هيا لتحطيم القيودِ.."

وهناك يا أختاهُ...

قولي للشبابْ

سأعودُ لا أخشى الذئابْ

سأعودُ ضامنةَ الخلودِ

بولدر- كولورادو ـ الأحد 11 يونيو 1967

 الهوامش:

1. الأعور: موشي ديان (1915 - 1981) رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، ثم وزير الدفاع، وكان قد فقد إحدى عينيه في حرب فيتنام ومعنى اسمه في العبرية "القاضي موسى"، مات عام 1981 متأثراً بسرطان القولون.

2. لقد شاهد الشاعر جثث الجنود المصريين في صحراء سينا كما بانت على شاشات التلفزبون الأمريكي.

3. أبا إيبان: مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة.

4. أظهر التلفزيون أبا إيبان، يقول في خطبته: إن القدس في وضع أفضل، وقد وحدتها إسرائيل، كما ادعى أن وضع الفلسطينيين صار أفضل بالاحتلال، لأن الجيش الإسرائيلي أوصل المياه للقرى التي لا ماء فيها.

5. مما قال المتندرون بالجيوش العربية إن دبابات العرب مبرمجة للسير إلى الوراء فقط.

Go to top