قصة القصيدة: كثيراً ما كان الشاعر يحن إلى الوطن خلالَ أعوام تغربه الطويلة، التي بلغت أربعة عشر عاماً، قضاها في الولايات المتحدة الأمريكية، طالباً في الجامعة ثم في كلية الطب، ثم طبيباً في مراحل التدريب والتخصص. وكتب هذه القصيدة في أمسية حزينة، شعر فيها بالسأم والملل الخانق، وهو في غرفته في القسم الداخلي، يستعد لامتحانات آخر العام الدراسي سنة 1969. وكان قد انتابه حنين قوي إلى الوطن ومرابع الطفولة والأهل والأصدقاء. فألقى بكتبه على السرير وجلس يدون مشاعره الجياشة باكياً. وكان يعود إلى القصيدة للترفيه عن النفس كلّما عاودته نفس المشاعر الحزينة والحنين خلال السنوات اللاحقة، فيضيف إليها أبياتاً جديدة، حتى أنهى تدربه وعاد إلى الوطن سنة 1978.

سَئمتُ وما للسأْمَ  مـن بلسـمٍ   أحرى

 

من الشَّكوِ بالأشعارِ إن أمكنتْ   جَـهرا

سُقــيتُ   كـؤوسَ  الهمِّ  والغمِّ  هـهنا

 

ومزَّقني  سأمــي  فلم  أستـطع   صَبرا

أفكِّرُ  في  جَدوى   حَيــاتيَ    طــالباً

 

تُحيطُ   به  الأعـباءُ  تَعــصِـره   عصرا

بعيدٌ  عن  الأوطانِ  ويــلٌ  (لبـولدرٍ)

 

إذا  متُّ  ما  طــابت  لأمثـالِنا   قـبرا(1)

فتنسابُ  من  عيــني  دمـوعٌ  غَزيرةٌ

 

تهدهِدُ  من  وَجدي  وتُلهِـمُنــي   شِعرا

أسيرٌ   لأنــي   فــي   بــلادٍ   غريبةٍ

 

وإن كنتُ في شِعري على أرضِهم   حُرَّا

أقولُ  ولا  أخــشى  سُيــوفاً   صَقيلةً

 

إذا لاحَ بدرُ  الـتمِّ:  إنــي  أرى   البَدرا

سجينٌ إذا  الأشــجـانُ  تَلهو  بمقلَتي

 

فتذرِفُ في الظلماءِ من  دمـعِها   جَمرا

فلا كانتِ  امــــريكا  ولا   كـانَ  أهلُها

 

إذا انتابني شوقٌ إلى (الخيمةِ) العَذرا(2)

ولم أنسَ فضــلَ الدوحِ لكنْ   طفولتي

 

تهيِّجُ   أفـكـاري    فأُوسِعُـها    عُـذرا(3)

فيا عاشقاً هذي  الديــارَ    و(بولدراً)

 

رُويدَكَ إنَّ الـقـلبَ  في  بـلدةٍ   أُخرى(4)

تذكرتُ    أيامَ   الطفـولـــةِ    والصِّـبا

 

فخرَّت  دمــوعي  لا  أُطـيقُ  لـها  ذِكرا

أَحِنُّ إلى  ربــعي   وأهـلي    وأخوتي

 

ومدرستي  صبـحاً   وألعـابِنا  عصرا(5)

وتأخـذني  أُمِّي  إلى   بـيــتِ    جـارةٍ

 

لتقرأَ بعضَ الليلِ من  قصـصٍ  عَفرا(6)

عن الجنِّ والعِفــريتِ أو   (ألفِ ليلةٍ)

 

وعن محنةِ العشّاقِ في الكـتبِ الصفرا

وكنت  صــغـيراً  خـاتِلاً  بينَ    نسوةٍ

 

وظِلَّ النسا  في  اللــيلِ  مُتخذاً   سِـترا

وما  كانـت  الـنـسـوانُ   تُدرِكُ   أنّني

 

أتابعُ   مــا  يُروى  وأُصـغي  لِما  يُـقرا

لعَمري إذا (امعـيريضُ) طافَ  خيالُها

 

يؤرِّقني   شوقٌ  وتُسكِــرُني  الذّكرى(7)

نَعِمتُ بها طـفلاً – فيا ويحَ ساعَتي-

 

فيا ليتني  طفـلٌ  عــلى  سيفها  أعرى

فألعب فـوقَ السيفِ في الصبحِ حافياً

 

وأنثرُ   بالأقدامِ    مــــن   تُربــها  تِبرا

وأسـبحُ  في  بــحرٍ   أغازلُ    قــاعَهُ

 

فهل يا تُرى يوماً  أرى   ذلكَ  البــحرا؟

 

                                       السكن الداخلي: وليمز فلج مدينة بولدر – كولورادو1969 

الهوامش:

  1. بولدر Boulder: اسم المدينة الأمريكية التي فيها جامعة كولورادو Coloradoحيث كان يدرس الشاعر الطب التمهيدي.
  2. الخيمة: أي إمارة رأس الخيمة.
  3. الدوح: مدينة الدوحة، عاصمة قطر.
  4. هذي الديار: الولايات المتحدة الأمريكية.
  5. ربعي: أصدقائي (خليجية).
  6. عفرا: عفراء.
  7. امعيرض: مدينة في إمارة رأس الخيمة وهي مسقط رأس الشاعر. 
Go to top