في الطائرة بين سياتل ونيويورك مارس 1993

أمضيتُ عمريْ وحيداً أسكنُ الضَّجَرا              وساكنُ القبرِ  لا  يقضــي   بـه   وَطَـرا(1)

مـاذا  غَرسْتُ  بأرضٍ  لا نباتَ  بِهـا              شَحّتْ بها السُّحْبُ مـن أن تُرسل  المطرا

فيها العقارِبُ سارتْ   في   قوافِلهــا              سوداءَ   تذرِفُ   مـن   أذنابِهــــا  الخَطَرا

والجِنُّ   تسكنُ  في   آبارِها   زَمنـــاً              لم أخشَها .. وأخـــافُ  الإنسَ والبَشَرا(2)

قد كنتُ أحرُثُ في  صحـراءَ   قاحِلـةٍ              حتى  صَحوتُ  ومِحراثـي  قـــد  انكَسَرا(3)

أجني تُراباً وغَرْسي فـي  الثرى  دُررٌ              يا  ويحَ  مثليَ  يا  من  يَغْرسُ  الــــدُّرَرا

ولّـى الشبابُ الذي قـد  كنتُ   ألبَسُه              بعـدَ  الشبـابِ  لبِستُ   الشَّيْبَ   والعِـبَـرا

ولّى  الشبابُ  ولــم  يتركْ   لـهُ  أثراً              كأنه الطيفُ .. أو في  النَّومِ  قــد  خَطَرا

قصة القصيدة: كان الشاعر في الطائرة مسافراً من مدينة سياتل الأمريكية إلى نيويورك في نهاية شهر مارس 1993، وكان يشاهد من الجوِّ المناطق التي قضى شبابه فيها دراسةً وتدرباً، ويقارن ما حققه من عمل وخبرة في الوطن بما حققه زملاؤه الأمريكان في وطنهم، وكان أحدهم من كبار أطباء القلب، وقد استضافه في مستشفاه أثناء تلك الرحلة، وعرض عليه العمل معه في ذلك المستشفى فرفض الشاعر. ولكنه أحس في الطائرة بالكآبة والأسى لما آل إليه عمله كوكيل وزراة الصحة من مشاكل لا تحصى في تلك السنة، فانفجرت خواطره في الطائرة شعراً سجله في هذه القصيدة. ولما عاد إلى الدوحة نشر القصيدة قبل أن تقبل استقالته من الوزارة. ولم يفهم الكثير من القراء الذين لا يعرفون الشاعر رموز القصيدة، وأنه كان يتحدث عن وزارة الصحة التي كان قد قضى فيها سنيناً وجهداً آنذاك.

الشرح:

1. لقد أحس الشاعر بالوحدة والغربة منذ طفولته حيث درس بعيداً عن أهله في الكويت صغيراً، وفي أمريكا 14 سنة من شبابه. وقد وصف إحساسه بالسأم والحنين في قصائد أخرى كتبها في أمريكا. فكان يحس بأنه عاش منفرداً في قبر من السأم والضجر.

2. انتشرت إشاعة في قطر سنة 1993 تقول إن الطابق الرابع من مستشفى النساء والولادة مسكون بالجن. وكان للشاعر مكتب في الطابق الأرضي من ذلك المستشفى. فإذا كانت بناية المستشفى بمثابة بئر، فمكتبه قاع ذلك البئر المسكونة.

3. المقصود بالمحراث الشباب الذي ولى عن الشاعر، فشرحه في البيتين الأخيرين.      

Go to top