Image

قَدْ طـارَ نومــي  وحلَّ السُّهْدُ   والسَّهَرُ

 

وطالَ   لــيـليَ  لا   فجــرٌ   ولاسَحَرُ(1)

ولَّى   الشَّبـابُ  وولَّى   الـعـمرُ  يَتْبَعُهُ

 

والـمرءُ  يَجْهَلُ  ما  يُخــفي   له القَدرُ

لم يبــقَ  للأُنسِ  إلا   الأمسُ   أذكـرُه

 

وبعضُ  كـتبيَ   والأشــعارُ   والذِّكَرُ(2)

فالأمـــسُ  يَسْرَحُ  في  عقلي   وتبعَثُه

 

قصـائــدي    وهمومُ  الـيومِ   والصُّوَرُ

يا أرضَ  (دَنْفَرَ) أينَ  الأمـسُ  أسألُه؟

 

أينَ الأحــبّةُ؟  أينَ   الــدارُ   والأثرُ؟(3)

أينَ الطريقُ  الذي  قد  كنــتُ  أسلُكُه؟

 

والثلجُ   كالـقُطنِ  فــوقَ  الرأسِ  يَنتثرُ

والبردُ  يَنفُذُ  في   الأحـــشاءِ   يُرجِفُها

 

والأُذنُ    تَجـمُـدُ  والأطــرافُ     تَنْخدِرُ

والشمسُ إنْ  أشرقتْ هاجتْ لها  مُهجٌ

 

في نورِهـا  الدفءُ  لا  نــارٌ  ولا  سَقَرُ

والصيفُ    يَفتَحُ  أبوابَ  الجِـــنانِ  لنا

 

فالعِــطرُ   يَعبَقُ   والأزهــارُ    والشجرُ

وأينَ ذاك الحبيـبُ الذي  أهوى  زيارتَه

 

يُسـلي   الفؤادَ  فيـنأى  عنِّيَ  الكـــدَرُ؟

كأنَّـه   الــظــبيُ    إلا     أنَّــه    بَشَرٌ

 

حلوُ   الحديـثِ   وفي  نَظْراتِهِ خَــفَرُ(4)

قد شابَهَ الظــبيَ  منه  الجـيدُ   مُنْبَلِجاً

 

وخالفَ   الظــبــيَ  نهدٌ   كاعِـبٌ  بَطِرُ

يهــدِّئُ   الرَّوعَ    والنـيرانُ     يُشعِلُها

 

فــي الصَّدرِ  تُحـرِقُ  أنفاسي  وتَستَعِرُ

قد  كانَ   بَلسمَ  أفكـاري  إذا  عَصَفَتْ

 

في الرأسِ  واعْتَفَسَتْ تَضرَى وتَعتَكِرُ(5)

قد   قمتُ  يـوماً  وقـد   وافقتُهُ   طرِباً

 

أن  نستـرفيقَ  صــباحَ  السبتِ   نبتكِرُ

لنَصْعَدَ    القُلّةَ   الشمّــاءَ   فــي  مَرحٍ

 

والحُـبُّ فوقَ جِبـالِ  (الرَّوْكِ)  يزدهرُ(6)

حقيــبةُ  الزَّادِ   فوقَ   الظّـهْرِ  أحمِلُها

 

وأنتـضــي   دِرَّةً   في   الكـفِّ تَنْغَمِرُ(7)

ذهبــتُ  أصعَدُ  فـوقَ   الصَّخْرِ  أتبَعُهُ

 

طولَ   النــهــارِ   طريـقي   كلُّهُ  خَطِرُ

وقفــتُ     بعـدَ      سُويعـــاتٍ   أراقبُهُ

 

فوقَ  الجـبـالِ  غَـزالٌ   راقصٌ  طَمِرُ(8)

وقلتُ  يا  ظبـــيُ  إنَّ  الرِّجْلَ  قد تعِبَت

 

وقد  ظمـئــتُ   وكادَ   الكَتْفُ   ينـكَسِرُ

فقال  خِلّي  ومـالَ   الثَّغْرُ   مـــبتسماً:

 

أتتـعـــبُ  الآنَ؟    إخجلْ  أيُّها   الذَّكَرُ

مغرورةٌ  ضَـــريتْ  فوقَ   الجـبالِ  ولمْ

 

أغادرِ السَّهْلَ .. إبـن السِّيفِ  أفتخِرُ(9)

لا تَسألي الغـابَ هل قد  كان   يعرِفُني

 

فلن   تُجيـــبَ  ذئــابُ   الغابِ   والنَّمِرُ

جنيةَ الغــابِ  ...  ما  هــذي  مفاخِرُنا

 

إذا   سألتِ   يُجــيبُ   الــعِـلمُ    والأثَرُ

وقلتُ   للنـفسِ  لا  شَكـوى  ولا  عَتبٌ

 

طولَ   الــطـريقِ  وإن   أعيانيَ  السفَرُ

قد   أدركـــت   ذنبَها   قالـتْ  أتعذِرُني

 

المـــزحُ    قصـديَ   والتدليلُ    والهزَرُ

وقد   ندِمتُ  عــلى  مــا  قلتُ  مازِحةً

 

فاغــفرْ   ذنـــوبيَ  إني   الآنَ   أعتذرُ

وأنزلت   حِــمْلَها  عـن   كتْفِها   وأتتْ

 

تَجُسُّ   كـتفيْ   تُراضيــني  وتنتظِرُ(10)

طافت   أنامِلُها  تَشـــفي   بـها   ألمي

 

كأنـــها     بَلســمٌ   أو   مَـرهمٌ    يَسِرُ

طوَّقتُها     بــــذِراعٍ    فــوقَه     عرقٌ

 

فمال غُصنٌ وكـادَ الخَصرُ   ينهصِرُ(11)

فعانــــقتني  وقالتْ    يا    أخا  عـربٍ

 

فلنصـعدِ  الدربَ  فــوقَ  القِمَّةِ   الظَّفَرُ

جلســـتُ  أرقُبُ  خلفَ   النَّارِ  بَسمتَها

 

والشمـسُ غابتْ وطِفْلُ الليلِ يستَتِرُ(12)

والنـــورُ  يَخفُتُ  والأطيارُ  قد   سكنتْ

 

والصــخرُ    عتَّمَ    والظلمـاءُ   تَنحدرُ

في  خـــيمةٍ   فوقَ   أجبالٍ   يعــانِقُها

 

صِرْمُ السَّحـابِ ونجمُ  الليلِ  والقَمرُ(13)

في رِحــلةٍ  عن  عيــونِ  الناسِ  كلِّهمِ

 

فــي  جَنَّةِ  اللّهِ  لا  جِــنٌّ   ولا   بَـشرُ

اثنــانِ   فـي  هــامةِ   الدنيا    وقِمّتِها

 

يستمــتعانِ   وماءُ   السُّحْــبِ   ينهمِرُ

والسَّقْفُ   يَقـــطُرُ  أحـيانـا     فيُسعِدُنا

 

بنغـمةِ  الطَّرْقِ  فــوقَ  الأرضِ  تنتشرُ

يا   حـــبذا  رَقْدةٌ  من  حــولِها  عَزَفتْ

 

صَنَّاجـةُ   الريحِ  والأحــلامُ  والدِّرَرُ(14)

وحبذا    يقـــظةٌ    والكــونُ    منشطِرٌ

 

فالليلُ    منـحَسِرٌ   والنــورُ   منفــطِرُ

والغيمُ  منـــقشِـعٌ   عــن    قُبَّةٍ   بُنيتْ

 

فوقَ   الجبــالِ  بَعيـــداً  نَيلُها    عَسِرُ

وحـــبذا    طَفْلةٌ    جنـبـــي   تُصبِّحُني

 

والنشرُ منتــشِرٌ من   ثوبِـها   عَطِرُ(15)

وبــانَ في  الصُّبْحِ  بحرٌ  كنتُ  أجهلُهُ

 

بحْرٌ على عَلَمٍ ! هــل  خانني   النظرُ؟

فقــالت   الخَوْدُ   لا   تعجــبْ   لزُرقَتِه

 

بحرٌ مـن السَّيْلِ لا  مِلْـحٌ  ولا وَضَرُ(16)

ذهـــبتُ   أغمرُ   كفّي   فــيه   منبهِراً

 

وأشــربُ   المــاءَ   صَفْواً  ما  بهِ  كَدَرُ

قضيــتُ  نصفَ  نَهـاري  حالِماً   جذلاً

 

فوقَ  الجبالِ  مـع  الحســناءِ   أنسَحِرُ

وصـاح ظبيــي  بأن  الشمسَ   تَسبِقُنا

 

إلى   الهبوطِ   فحـــانَ  الـوقتُ  نَنحدِرُ

حمَلتُ  مـــــائي    وعُكَّـازي    وأمتِعَتي

 

وقلت  باسـمِكَ  ربّي  ينزلُ   (الحــجرُ)

أفَقتُ   أفـــتحُ    عيني   تائِــهًا  قلِقلاً

 

جِنّيةُ الغابِ طـارتْ وانقضى  الوَطَرُ(17)

يا    مُرسِلَ  الحُــلمِ  للإنسـان  تَرحمُهُ

 

اُرزُقْهُ   خيراً  مـــن   الأحــلامِ    يعتبِرُ

أستغـــفـرُ   اللَّهَ  مما   كنـتُ    أحلُمُهُ

 

أضغاثُ حُلمٍ أهـذا الحُلمُ يُغتَفَرُ؟(18)

                                         10 ديسمبر 1995

الشرح:

(1) السُّهْد: الأرق،  السَّحَر: آخر الليل.

(2) الذِّكَر: الذكريات.

(3) دنفر: مدينة Denver في كولورادو الأمريكية التي عاش فيها الشاعر فترة من العمر.

(4) الخَفَر: الحياء.

(5) اعْتفس: اصْطرع (وفى الخليج اعتفس الشيء: اختلط اختلاطاً عشوائياً)، تضرَى: تشتدّ، اعتكر: ازدحم وفى الحرب اقتتل.

(6) القُلَّة: قمة الجبل ، جبال الروك: جبال روكي ماوتينز (Rocky Mountains) المارة بكولورادو .

(7) انتضى السيف : سلّه، دِرَّة : عصا، تنغمر: تنغمس.

(8) طمِر: كثير الطمور أي الوثب.

(9) ضَرَت: تعودت .

(10) تجس: تتحسس.

(11) ينهصر: يتعطف، ينكسر.

(12) طِفْل الليل: أوله مع احمرار الشفق .

(13) جبال وأجبال جمع جبل ، صِرْمُ السحاب : قطعة منه .

(14) الدِّرَرُ: زخات المطر مفردها دِرَّة. الصناجة: العازف على الصنج وهي آلة موسيقية ذات أوتار.

(15) طَفْلةٌ: فتاة ناعمة.

(16) الخَوْدُ: الشابة الناعمة الحسنة، الوَضر: الدَّرَن، الوسخ .

(17) الوَطَر: الحاجة .

(18) أضغاث: جمع ضغث وهي الرؤية المختلطة الملتبسة.

Go to top