قصة القصيدة: بينما كان الشاعر يُعَدّ لإجراء عملية جراحية في رقبته في الصباح الباكر في مستشفى سانت جوسف، في مدينة فينكس - أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، انتابته الأفكار والهموم والخوف من المصير المجهول أثناء العملية الجراحية، كأي مريض مقبل على عملية جراحية صعبة، فتلهى بكتابة مشاعره، مخاطباً صديقه وزميل دراسته الدكتور نزاراً الذي أتاه خصيصاً ليكون بجواره أثناء العملية. واستمر الشاعر في كتابة القصيدة حتى الدقائق الأخيرة قبل أن يُخدر، ثم سلم القصيدة في غرفة التخدير إلى صديقه الساعة السادسة صباح يوم 25-2-1997. وبعد أن تعافى من مرضه أرسلها من المستشفى إلى الدوحة فنشرت في جريدة الوطن يوم 5 مارس 1997.

 

يا صَاحِبِي في دروبِ  العِلمِ والفِطنِ

 

يا صاحبي يا  طبـيبَ  القَلبِ والبَدَنِ

قد  جـئتَ   تؤنِسُـِني   ممّا   أُكابِدُه

 

تُخفِّفُ العِبءَ عن عقليْ وعن بَدني

صدقُ  الأخُوَّةِ   فضـلٌ  لا مثـيلَ  لَهُ

 

يَشْفي  القلوبَ  بلا  مَنٍّ   ولا  ثمـنِ

يا مهنةَ الطبِّ هذا   فخرُ  مدرسَـتي

 

فخرُ  الصداقةِ  فخرُ العلمِ   والمِـهنِ

هـذا أخوكَ   كَـرى  التخديرِ  يَصْرَعُهُ

 

ليسَ  المُخدِّرُ   للعـيـنينِ    كالوسَنِ

فانظرْ إلى النبضِ والتخطيطِ مُنتَظِماً

 

لا تَترُكِ   الأمرَ   للجرّاحِ    والـزمنِ

واطلبْ من اللّهِ أن  يَشفي   مُحِـبَّكمُ

 

أكثِرْ دُعاءَكَ   في  سِرٍّ  وفي  عَلَـنِ

اِلزمْ أخاكَ   وواسِ  قلبَ   صاحِبِـكمْ

 

يا صاحبي في زمانِ  الخيرِ والمِحَنِ

يا صاحبي قبلَ أن يأتـي  لكم  مَعَـنٌ

 

دُمْ   للصَّـدَاقةِ  ذُخْـراً   يا  أبا  مَعَنِ

 

 

 

بُعدي عن الأهلِ  والأطــفالِ  والوطنِ

 

أهاجَ   نفسيَ   بالأفكــارِ   والشّجَنِ

جاشتْ خواطِرُ  نفسيْ كيف  أُلجِمُها

 

تطوفُ بي  فـي ظَلامِ  الفِكرِ والدِّمنِ

والشعرُ   ينبُعُ   منهـا   لا  يهذِّبُـها

 

حتى  المخدِّرُ  يَدعـوها  إلى السكَنِ

خمسونَ عاماً مضت كالحُلمِ  أذكرُها

 

كأنَّهـا  خُضْرُ   أوراقٍ  على  غُصُنِ

ما مَسَّها  الداءُ أو  حالـتْ  برونقِها

 

إلى شُحوبٍ  ولم   تذبُـلْ  ولم  تَهُنِ

واليومَ  تطرَحُني  الأقدارُ حيـثُ   أنا

 

بداءِ عُنْقٍ  يَلُفُّ  العُنقَ   كالشّـطَـنِ

ولّى شبابي  وجاء  الشيـبُ  يُنْذِرُني

 

بالدَّاءِ   والضَّعفِ   والآلامِ  والوَهَنِ

فزهرةُ العُمرِ  قد  جـفّتْ   وقد  ذَبُلت

 

فالريحُ تَذرِفُها  في  الطِّـينِ  والدَّرَنِ

ودارَ ذا  الشيبُ في  جسمي   يُنبِّرُهُ

 

واختار  بعضَ فِقـــاري  أولَ  السكنِ

فصار يؤْلِـمُ    أعصابي    ويَخْنُـقُها

 

كأنَّـه  شـاءَ   أن آوي  إلى   كفـنِي

فكم   صَبَـرتُ   على   دائي  أخدِّرُهُ

 

بما عَلِمتُ، وصبري ليس من جُبُنِي

فما الشَّـجاعةُ   في  الإقدامِ  مفخرةٌ

 

على الجِراحةِ  إن  دائي  سيُمْـهِلُني

وما  خَشِيْتُ  عـلى   نَفسي  مَنيَّتَها

 

فالموتُ  حقٌّ  عرفناهُ  مـن   السُّنَنِ

لكن خَشِيتُ على الأفراخِ  من  قَدرِي

 

نَوحُ  الصغارِ   يَرِنُّ  الآنَ في أُذُنِي

فلست أَعرِفُ ما في الغيبِ من  قَدرٍ

 

فالداءُ  يُشْفَى  إذا الآجالُ  لم  تَحِنِ

أكادُ أبكي  على  نفسي  فوا  أسفي

 

قد ضاعَ عُمري كأنَّ الأمسَ لم  يكُنِ

 

Go to top