قصة القصيدة: كان الشاعر في لندن في مهمة، وسمع بوفاة عمه، فرجع عائداً إلى الدوحة. وخلال رحلة العودة في الطائرة كتب هذه المرثية.  21 نوفمبر 1998

 

صاحَ  الفُؤادُ  قُبيلَ   العَينِ  ينتحِبُ

 

وانْهلَّ في الحِضْنِ دمعُ  العَينِ  ينسكِبُ

فقد   سَمِعتُ   بأنَّ   الـعمَّ    فـارقَنا

 

هذا  الصباحَ    بلَـحدِ   القَـبرِ  يَحتجِبُ

أُعاتِبُ النَّفسَ، بُعدِي  اليومَ  أخَّرَني

 

والأهلُ  كلُّهمُ   بالنَّـعشِ    قـد    ذهبوا

ما بالُ عينيَ  فاضتْ  لا تُطاوِعُني

 

وقد   علِمـتُ   بأنَّ   المَـوتَ    يَـقترِبُ

قد صِحْتُ أبكي ولمْ أجهلْ  مَصائبَهُ

 

فالشَّيبُ     أنهـكَهُ    والـدَّاءُ    والكُرَبُ

ووالدي    مثلُهُ    يَضْـوي    بعِـلَّـتِهِ

 

لن  يسمعَ  اليومَ   أنَّ  العـمَّ  قد  نَدَبوا

قد يَلحقُ الأخَ  لو يَدري  فوا  أسفي

 

على     أكابِرِنا     نَبـكـي    ونَـنـتـحِبُ

ظللتُ أبكي على عمِّي وقد  غَربَتْ

 

به  المَنونُ   وباتَ   القلبُ   يضطـرِبُ

ذكرتُهُ  وأنا    في   الخـمسِ  أتبَعُهُ

 

يُعلِّمُ   الخـطَّ   والصبيـانُ    قد   كـتبوا

يُخيفُهم  بعصاً  في  كـفِّه   لَمعتْ(1)

 

إنْ أهملوا الدرسَ أو عن مُصحفٍ لَعِبوا

كم  درَّسَ   الناسَ    قرآناً وحفَّظهم

 

ما  كانَ  إلا  رِضـا     مولاهُ   يَكـتَسِبُ

قد صامَ عمِّيَ نصفَ العُمرِ مُنشرِحاً

 

حتى  تكشَّفَ عظمُ   الكَـفِّ   والعَصبُ

وأنْحَلَ  الجسمَ  صومٌ  صامَهُ  وَرَعاً

 

مَنْ ذا  يَصومُ   إذا   ما جاءنا  رجـبُ؟

أمَّ  المُصـلّينَ    دهراً   لا  يُفـارِقُهم

 

حتى انحنـى الظهرُ  والرجلانِ  والكعَبُ

يَشكو إلى اللهِ  حالاً بعـدَ ما اقتَرَبتْ

 

تسعونَ   عاماً  بها   التخـريفُ  يقـتَرِبُ

وقالَ   لي  قبلَ  أيـامٍ   يُصَـارِحُني:

 

"أنسى  كثيراً   وأنَّ    العـقـلَ    ينـسلِـبُ

والنُّطقُ يصعُبُ والأطرافُ قد يَبِستْ

 

والظَّهرُ  قَوَّسَــهُ    الإعياءُ     والحَــدَبُ

الموتُ  خيرٌ -يقولُ العمُّ  يُخبرني-

 

من   الحياةِ  بها    التَيبيسُ   والعَـطَـبُ

ما بالُ  موتيَ  لم  يَقدُمْ    ليأخُذَني

 

لم يُجدِ في الشَّيبِ  تَطبـيبٌ ولا خَضَبُ؟

فما  الحياةُ    بلا  رجلٍ    نَسـيرُبها

 

ولا  لسانٍ   إلى  الأقـوامِ    نصـطَحِـبُ؟

بالأمسِ يَسْعُلُ  من قد شابَ  سَعْلتَهُ

 

والروحُ  تخرُجُ   في صـمتٍ   وتنسحبُ

واليومَ  يتعَبُ  من   يَهوى    مَنيَّتَهُ

 

من    الإبـارِ    وبالآلاتِ      يَنْـتَـشِـبُ

فما  الفِرارُ  من   الآجالِ    مُقْـتَـدَرٌ

 

ولا    الخلودُ لغير اللهِ –    مُكْتَـسَـبُ"

قد  حلَّ يا عمُّ  ماقد   كنتَ  تطلبُهُ

 

وقد   طلبتَ الذي   ما   كانَ   يُطَّـلَـبُ

طلبتَ موتاً  بلا  خَـوفٍ  ولا   وَجلٍ

 

وقد سَئمتَ  وأضنى   جسمَكَ  الوَصَـبُ

فكلُّ    حَــيٍّ   لهُ    حَـيـنٌ   يلاحِقُهُ

 

فالحَـينُ  حـانَ  وأنتَ     اليومَ   تغتـرِبُ

أبديتَ   عَـقـلاً     وإيماناً   ومعرِفةً

 

وزانَ  قولَكَ   ظَـرفُ   الشـيخِ   والأدبُ

ما زالَ  ظَرفُكَ حيًّا   في   مجالسِنا

 

مهما  ابتعدتَ   فـروحُ  الشـيـخِ   تقترِبُ

تَرمي  المَنايا  سِـهاماً  لا  مَرَدَّ  لها

 

فاللهُ  يَقضي   وأمراضُ   الوَرى  سَبَـبُ

فاللهُ   يُلهِـمُنا     صَبـرًا     ويـأجُرُنا

 

فهْوَ   المُعـينُ  إذا   مـا  حَلّـتِ  الكُـرَبُ

واللهُ  يـرحَمُ  عَمِّي    رحمةً   وهبتْ

 

له    الجِنانَ   وربِّي    قـــادرٌ    يَهَــبُ

الشرح:                                                                    

1. لمعت: كناية عن أنها لم تستعمل في الضرب وكانت من الخيزُران اللامع.

 

Go to top