بعيدًا عن أرض الوطن انتاب الشاعر حنينٌ إلى الوطن، وشوقٌ إلى الصيف في مرابع الطفولة والصبا، فعبّر عن ذلك بهذه القصيدة:

صَيفي هنا في  جِبالِ (الألبِ) والسفرُ

 

قد هيَّجا  الفِكرَ، فاستَشْرَت بيَ الفِكَرُ

أبكي  اشتياقاً إلى عَصرِ  الصِّبا ولِهاً

 

والشِّعرُ يأسو، وقلبُ   المرءِ  يِنفَطِرُ

لمَّـا   بَدَت  لُمَّــتي    كالبَدرِ  مُسـفِرَةً

 

رَضيتُ  مُنكَسِفًا  أن  يُكسَفَ القَـمَرُ(1)

فالشيبُ   أزهرَ  في  رأسـي  يُذكِّرُنـي

 

بأنّـني الكَهلُ،  أو  قـد  مسَّني الكِبَرُ

فللســوادِ    برأسِ    المَـرءِ    رونَـقُهُ

 

وللبـياضِ    وَقـارٌ     فيهِ   يُـفـتخرُ

 

 

 

مَن  ذا  يشارِكُـني   الذكـرى   ويَعـتَبِرُ

 

ما غيَّرَ الدهْرُ  أو  ما  غيَّرَ البَـشَرُ؟

فكَمْ  ركَضنا  على  الرمضاءِ  تَحـرِقُنا

 

مثلَ الشياطينِ  لا  خوفٌ   ولا  حَذَرُ

أمشي على السِّيفِ طِفـلاً والهوا لَهَبٌ

 

لا ضَربَةُ الشمسِ تَنهاني  ولا الخَطَرُ

كم  لامني  والدي، والرملُ في  قَدَمي 

 

بِلا نِعــالٍ   بها   أمــشي،    فأعتذِرُ

حَسبي مِن  القيظِ حَوضٌ أستحمُّ  بهِ

 

وظُلةُ اللوزِ  فوقَ   الحَـوضِ  تنتَشِرُ

ونَومُ  قَيـلولةٍ  في  العِرشِ    هــادِئةٍ

 

وإن تَفـرَّقَ عنِّي  الناسُ   أو هَجَروا

بانَ  العَريشُ  بذِهــني  اليومَ  مرتَفِعًا

 

لكنَّ  عَيــني   إلى    رُؤياهُ   تَفـتَقِرُ

وحِبُّ  ماءٍ  نَــديٍّ  قد   حَنَنـتُ   لَـهُ

 

معْ  أنَّ  أعــلاهُ    مَثلومٌ   ومُنكَسِرُ

والليلُ  يَســجو،  وأقراني   تُسـامِرُني

 

يا حُسنَهُــنَّ   لَيـالٍ   زانَها    السمَرُ

 

 

 

فكلُّـما  زادَ  عُمري   وانجـلى    الكِبَـرُ

 

إزددتُ  للأمسِ  تَوقًا  فانبَرى الصِّغَرُ

منازلٌ  مِن  جَـريدِ   النخْــلِ   هـادئةٌ

 

فيها  الكَـرى   لِمَبيتِ  الليلِ   يَنتَظِرُ

والرملُ  تِـبْرٌ  طَـهورٌ في      منــازِلنا

 

به  التيَمُّـمُ  سهلٌ  إن   بَدا  الضَّـرَرُ

والسدرُ ظِـلٌّ  ظَــليـلٌ  وارِفٌ     حَسَنٌ

 

ولَونُهُ  كلَّ   فصـلٍ   أخضَـرٌ   نَضِرُ

والبَحرُ أكرمُ  ما في الكـونِ    يرفِـدُنا

 

فَهْو  الجَوادُ   وفي أعماقِـهِ   الـدُّرَرُ

لا تُنكِرِ الفَضلَ في عَصرٍ  وُلِـدتُ  بهِ

 

إلاّ إذا  كُـنـتَ  بَعـدي  ساقَكَ   القَدَرُ

 

 

 

قد  أقلَعَت  ذكْرَيــاتي  اليومَ    مُبحِرةً

 

فليسَ  في سردِها  عَيبٌ  ولا  ضَرَرُ

صَبَـيتُ  في القَـيظِ  لم  أصبُ  لِفاتنةٍ

 

إذ كيفَ  يَصبو صغيرٌ جاهلٌ غَـمِرُ(2)

وأسعَدتني    زَمانَ    القَيــظِ   أربَــعَةٌ

 

الحوضُ  واللوزُ  والنخْلاتُ   والثَّمَرُ

يا حُسْنَ ذاكَ الصِّبا، والصيفُ مُبـتدِئٌ

 

والشمْلُ  مُجتمعٌ،   والنخْـلُ   مُبتَسِرُ

والليلُ   خيَّـمَ،   والأطـيارُ  قد  سَكَنَت

 

ولألأ  النجمُ   حتـى   أسفرَ   القَـمَـرُ

 ماءٌ  مِن  البئرِ  صـافٍ  بارِدٌ  عَسَلٌ

 

تأتي به  الــدلوُ ما في  صَفوِهِ  كَدَرُ

أبكي   عليهِ   وقد   جَفَّـت   منــابِعُهُ

 

فماءُ عيني  على    ذِكراهُ   يَنهَـمِـرُ

قالوا: أتبكي على  نَخْلٍ   وقد  دَرَسَتْ

 

وماءِ حَــوضٍ،   وبِئرٍ ما  لها  أثَرُ؟

فقلتُ:  لا،  ليسَ  هذا   مـا  يُـؤرِّقُني

 

بل  ذكرُ عَصرِ الصِّـبا  يَنأى ويَندَثِرُ

أسلو بذكرِ الصِّبا والأمسِ عَن شَجَني

 

أشجانيَ  الشـاجيانِ: الشيبُ  والقَدَرُ

                                                     منترو، سويسرا 25 يوليو 2009

الشرح:

1.  يُكسَفَ القَمَر: كناية عن صبغ شَعر رأس الشاعر الأشيب باللون الأسود.

2.  صبيت: فعلت ما يفعل الصبيان. أصبو: أميل وأشتاق.

Go to top