لقد ذكرت في الحلقة السابقة معاناة الشاعر من أعراض مرضه كما وصفها في أشعاره وذكرت منها النحول والرعشة وسوف أتطرق في هذه الحلقة إلى عدم توازنه الجسمي وسقوطه ومعاناته من مشكلته الرئيسية، ألا وهي الشلل المتفاقم. ولا شك أن تلك المعاناة ولّدت شعوراً عميقاً بالحزن والأسى والسأم، جعله يحس بالكآبة التي أعتبِرُها جزءاً من أعراضه. وفي الحلقة التالية سأتحدث عن هاجس الموت قبل الموت.

السقوط:

ذكرت سابقاً أنه لما كان في روما في شهر أكتوبر 1961 كان يمشي متأرجحاً بخطوات يجرها على الأرض جراً ثقيلاً يتعثر منها بقدميه فيكاد يسقط على الأرض في كل خطوة (1).

وفي 13/10/1962 كتب رسالة لأدونيس قال فيها إن حالته ازدادت سوءاً بعد عودته إلى العراق: "مازالت صحتي متردية، سقطت أخيراً فانفطر العظم في رجلي وانفسخت في موضعين، وما زلت عاجزاً عن السير إلا بمعونة العصا، ولكني لست يائساً ولا متشائماً. وما زالت في الحياة أشياء جميلة وكثيرة: الشعر والقصص واستذكار حوادث من الماضي ودفء الصداقة" (1). ولكن ذلك التفاؤل لم يدم. وكتب بعد شهرين في لندن (سفر أيوب):

شهورٌ طوالٌ وهذي الجراحْ

تمزِّقُ جنبي مثلَ المُدى

ولا يهدأ الداءُ عند الصباح

ولا يمسح الليلُ أوجاعه بالردى (7).

والواقع أن إنتاج بدر الشعري كان يزداد غزارة مع ازدياد المرض وتدهور حالته الصحية، وكان يكتب أحياناً قصائد يومية، بل كان يكتب في بعض الأيام أكثر من قصيدة، والسبب في غزارة إنتاجه مع المرض، في رأيي، هو أن فقْد الشاعر لقواه العضلية أرغمه على البقاء في السرير مدة طويلة، لا تسلية له إلا الشعر، فيسلو أو يتسلّى به ويملأ فراغه، ويجعله ينفث ما في صدره من ضيق وسأم وخوف وألم. كما أن قصائده آنذاك كانت وسيلة اتصال بالناس. فالناس تسمع أخبار معاناته وآهاته وهو على سرير المرض من خلال قصائده. كما بان في قصيدة (القن والمجرة) التي كتبها في 2-3-63 قائلاً:

سريراً نمت فيه أنثُّ منه الآهَ بعد الآهْ

وعكازاً عليه مشيتُ ثم هويتُ في ثقَلِ (14).

ولما قرب من نهايته واشتد يأسه كتب "عكاز في الجحيم" قال فيها:

لكني أعجز عن سير – ويلاه – على قدمي

وسريري سجني، تابوتي

منفاي إلى الألمِ

وإلى العدمِ!! (14).

كما قال في (قصيدة من درم) في 5/1/1963:

في نفس شاعر يموت عمرُه

يبعثَرُ، ويُقبَرُ؟

يمشي على عكازةٍ ويعثرُ

أيامه إلى رداه سَفَر

وعيشه انسلالْ

عبر جدار الموت لا يزال؟ (7).

الشـلل:

يعتبر الشلل السمةَ الطاغية لهذا المرض وهو السبب المباشر للسقوط. ويزداد الشلل سوءاً شيئاً فشيئاً حتى يقضي المرض على المصاب. ولا عجب أن تتكرر شكوى الشاعر من عاهة الشلل، لكني سأقتصر على بعض عينات منها كي لا يمل القارئ من تكرار نفس الشكوى.

ففي قصيدة (عكاز في الجحيم) المذكورة أعلاه قال:

فهنا لا يشمتُ جاري

أو تهتف عاهرة مرّت من نصف الليل على داري:

" بيت المشلولِ هنا".

وفي سفر أيوب (رقم 3) التي كتبها في 28-12-62 اشتكى في منتصف الشتاء القارس في لندن من البرد والجوع، ولكنه اعتبر الشلل الذي يقيد خطاه أفظع، لأن الشلل ربط مصيره بالموت المقدر عليه حين قال:

نجومي في دجًى..

صارعتُ بين وحوشه بَرْدَه، وإن البرد أفظعُ..

لا .. كأن الجوعَ أفظع ..

لا .. فإنّ الداءْ

يشلّ خطاي..

يربطُها إلى دوامةِ القدرِ (7).

وفي (رقم 9) من سلسلة قصيدة (سفر أيوب) كتب في 2-1-63 في لندن عند ما أحس كأن الشلل أحال ظهره إلى عمود من الملح لا حياة فيه، أو كأنه قطعة جمر تحرقه، وقد قضى الشلل على شبابه حيث قال:

أحال ظهري

عمود ملحٍ..

أو عمود جمرِ

أحرّك الأطراف لا تطيعني

مشلولة

مات الدم الفوّار فيها، أطفئ الشباب(7).

ويكرر الشكوى من ما يعانيه من شلل في (منزل الأقنان في جيكور) حيث قال في لندن:

ولو خُيرتُ أبدلتُ الذي ألقى بما ذاقوا

ممضّ ما أعاني: شلّ ظهرٌ وانحنت ساقُ

على العكاز أسعى حين أسعى، عاثر الخطوات مرتجفا(7)

وقال في (جيكور أمي) وهو في لندن أيضا في 5-2-63:

كيف أمشي!

خُطايَ مزقها الداء، كأني عمود ملحٍ يسير(14).

ولما جاءه الخبر في لندن عن قيام ثورة 14 رمضان في العراق تفاءل وتمنى الشفاء فكتب (ثورة 14 رمضان) في 10-2-63:

أألفُ لسانٍ جاء عندك يشكرُ

لإيفاء ما أسديت؟ هيهات يقدرُ

وقام الكسيح المبتلى من فراشه

يسير على ساق ويعدو ويطفر (10)

فهو مع كل ما يعانيه من مرض ميئوس منه كان يتفاعل بما يجري في وطنه ويتفاءل بتأثير ذلك في صحته.

وفي 23-2-63 كتب في لندن (يقولون تحيا) يتأسى فيها على بؤسه في كساحه كأنه طير مكسور الجناح لا يقدر على الطيران. وتشبيه حالته بالطير مستوحى من التراث الشعري العربي حيث ينظر الشاعر البعيد عن وطنه إلى الطير الذي يستطيع أن يطير إلى وكره متى شاء. فكان الشعراء يبثون شكواهم إلى الطير ويحمّلونه رسائل الحب لمحبيهم. وقد خاطب أبو فراس الحمداني الحمامة التي اعتبرها تنوح وتشاركه حزنه وفراق أحبته وهو في سجن الروم قائلاً :

أقول وقد ناحتبقربيحمامةأيا جارتا هل تشعرين بحالي؟

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا!تعالَي أقاسِمْك الهموم تعالي!

أيضحك مأسورٌوتبكيطليقةٌويسكت محزونٌ ويندبُ سال؟

لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلةولكن دمعي في الحوادث غال!(21).

فالأمير الشاعر أبو فراس الذي اشتهر بالفخر وعزة النفس جعل الحمامة حزينة مثله، أما شاعرنا بدر فجعل الطير مكسور الجناح أي كسيحاً مثله:

لأحببتُ لو أن في القلب بُقيا

يقولون "ما زلت تحيا"

أيحيا، كسيح إذا قام أعيا

به الداءُ فانهار لم تخفقِ

على الدربِ منه الخطى؟ يا أساه

ويا بؤس عينيه مما يراه؟

يقولون: "تحيا" فيبكي الفؤادْ

فلو لم يكن خافقاً لاستراح؛

كطيرٍ رميٍّ يجرُّ الجناحْ(14).

وفي البصرة كتب (أسير القراصنة) في 29-10-63 يذكر معاناة العامين في الصراع مع المرض وكأن ذلك الصراع نزاع موت يستمر سنتين بدون الفوز براحة الموت:

وتحسدُ الشحّاذ إن لاحا

يمشي على عكازه البالي

مشلولة رجلاك

مشدودةٌ عيناك بالآلِ

عامان من نزعٍ بلا موتِ

وأنت ما كنتَ سوى صوتِ(14).

أي أن بدراً كان يقدر على أن يمشي بمساعدة العصا عامين كما قال في القصيدة الأخيرة، ولكنه في الواقع تعدى ثلاثة أعوام من بدأ المرض الذي اكتشف في 16-8-1960 بينما المريض الأمريكي أيرلي الذي أصيب بنفس المرض كما ذكرت في الحلقات السابقة، كان أسوأَ حظاً من بدر، لأن الشلل أقعده وجمد كل أطرافه خلال سنة ونصف من المرض، ومات في أقل من سنتين من تشخيص مرضه (20).

الكآبة:

في قصيدة (خذيني) التي كتبها في بيروت في 3-7-62 في المراحل الأولى للمرض صرح بحزنه وكآبته قائلاً:

خذيني فإن صخور الكآبةْ

تشدّ بروحي إلى قاعِ بحرٍ بعيد القرارِ

خذيني إلى صدرك المثقلِ

بهم السنين

خذيني فإني حزين

ولا تتركيني على الدرب وحدي أسير إلى المجهلِ (7).

ولما كان في بريطانيا وفي مدينة (درم) كتب قصيدة سماها باسم المدينة (درمْ) في 5-1-63 واختار كلمة (برمْ) الدالة على ما يحس به من سأم وضجر، اختارها شاعرنا لما فيها من جناس موسيقي مع اسم المدينة:

درم...

بنفسي مما عراني بَرَمْ،

فمدي ذراعيكِ ولْتحضنيني

إلى هوةٍ من ظلام العدمْ

فما قيمة العمر أقضيه أمشي

بعكازة في دروب الهَرَم؟

ومن أين للروح هذا البقاء؟

فناءٌ، فناء

إذا مات أو عاش فهو الألم.

درمْ..

بنفسيَ مما عراني بَرَمْ؟ (7).

ولما عاد إلى العراق من الرحلة الخائبة إلى لندن أصيب باليأس الشديد عندما تذكر كل المحاولات الطبية الفاشلة، خلال السنتين السابقتين في العراق ولبنان ولندن وباريس لإنقاذه. تذكر كيف نزفوا دمه للتحاليل والفحوصات الطبية التي لم يستفد منها شيئاً، بل أحس أنهم وزعوا أشلاء جسمه في الأنابيب. وتذكر كيف تنقل من مستشفى إلى مستشفى ومن طبيب إلى طبيب بينما صحته تدهور من سوء إلى أسوأ. وبعد أسبوعين من وصوله العراق زادت معاناته تعقيداً بفصله من العمل. وهكذا تكالبت على بدر آنذاك من آفات البؤس ثلاث آفات هي الفقر واليأس والمرض. فلا غرو أن يحس السياب وكأنه يغرَق في الماء، بينما ينعق قربه طير النورس (الغاقة). والنعيق غالباً ما يقرن بطير الشؤم عند العرب وهو الغراب الذي يُتهم بأنه يفرق بين الأحبة، ولذلك سمي غراب البين. فعبر في 4-4-63 في قصيدة (ليلة في العراق) عن بؤسه وتراكم إحساسه بتلك الآفات المشؤومة والموت والضياع:

وألقى البرقُ، أرقصَ، ظلَّ نافذتي على الغرفةْ

فذكّرني بماضٍ من حياتي كله ألمُ

ويمضي بالأسى عامان..

ثم يهدُّني الداءُ

تلاقفني الأسرةُ بين مستشفى ومستشفى

ويعلكني الحديدُ ومن دمي ملأ الأطباء

قنانيَ وزعوني في القناني..

تصبغُ الصيفا

دمائي والشتاءَ وذاتَ صبحٍ قيل إن الشرَّ قد دُحرا

ودكّ معاقلَ الطاغوت في بغدادَ أبطالُ

وعدتُ إلى بلادي يا لنقّالات إسعافِ

حملن جنازتي!! متمدّدا فيها أئنُّ رأيتُ (غيلانا)

يحدِّق بانتظاري، في السماء وغيمها السافي

وما هو غيرَ أسبوعين ممتلئين أحزانا

ويفْجؤني النذير بأنّ أعواماً من الحرمان والفاقةْ

تَرصّدُ بي هنا، في غابة الخُوَذ الحديديةْ

غريقٌ في عباب الموجِ تنحبُ عنده الغاقة

تئنُّ الريح في سعف النخيل، عليه..ترثيه

قصائده الحزينة بين أوراقٍ من الدفلى

أو الصفصاف تبكيهِ (14).

وهكذا استعرضنا أعراض مرض الشاعر بدر شاكر السياب كالرعشة والنحول والكآبة والشلل كما وصفها لنا بنفسه ببلاغة تتقاطر ألماً، وكررها في أشعاره تكراراً يدل على خوف وقلق مرير. وبذلك فقد أثرى السياب تاريخنا الأدبي والطبي بأشعار المعاناة المرضية بإسهاب وشعور جياش. ومع حبي الشخصي لتاريخنا الأدبي وقراءتي له كلما وجدت فراغاً منذ طفولتي، فإني لم أقف على شاعر عربي وصف أعراضه المرضية وهو يرنو إلى الموت الذي يقترب منه خطوة خطوة، يوماً بعد يوم كما فعل السياب.

وفي الحلقة القادمة سوف أستطرد في عرض بعض أشعار المعاناة قبل الخوض في هاجس الموت عند السياب رحمه الله.

المراجع:

  1. بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره: إحسان عباس (1983).
  2. إقبال: بدر شاكر السياب.
  3. رسائل السياب: ماجد السامرائي.
  4. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.
  5. البواكير: بدر شاكر السياب.
  6. أعاصير: بدر شاكر السياب.
  7. منزل الأقنان: بدر شاكر السياب.
  8. بدر شاكر السياب حياته وشعره: عيسى بلاطة (1987).
  9. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.
  10.  الهدايا: بدر شاكر السياب.
  11. المعبد الغريق: بدر شاكر السياب.
  12.  بدر شاكر السياب ج1 ص19: إيليا حاوي.
  13.  أزهار وأساطير: بدر شاكر السياب.
  14.  إقبال وشناشيل ابنة الجلبي: بدر شاكر السياب.
  15. Solomon: Handbook of Psychiatry
  16.  شعر بدر شاكر السياب: حسن توفيق.
  17. K. Kiple: The Cambridge World history of Human Disease
  18. Harrison’s: Principles of Internal Medicine 14th Edition
  19.  ديوان بدر شاكر السياب: ج2 ناجي علوش
  20. http://www.projo.com/special/noel/main.htmA   Time to Die :
  21.  ديوان أبي فراس الحمداني.

 

Go to top