لقد تعودنا نحن معشر الأطباء أن نبدأ سرد تاريخ مرض مريض لزملائنا في المؤتمرات الطبية أو الاجتماعات الاستشارية أو التعليمية بذكر السبب الذي جعل المريض يطلب العلاج. أي الشكوى الرئيسية للمريض حسب تعبير المريض نفسه. وهو عرف تراثي للأطباء لا زلنا نصر على اتباعه.

فالشكوى المرضية الرئيسية للشاعر بدر شاكر السياب هي "الكساح" ويقصد بها ضعف الرجلين، والأصل اللغوي للكساح هو أن الإنسان إذا ثقلت رجله في المشي صار إذا مشى يجرها جراً كأنه "يكسح الأرض" أي يكنسها برجله وقد عبر شاعرنا عن كساحه حيث قال:

 

كسيحٌ أنا اليوم كالميتنْ،

أنادي فتعوي ذئاب الصدى في القفار:

" كسيحٌْ كسيحٌ وما من مسيح ".

ويا ليتني مت (2).

 

 

وقبل أن أبدأ في سرد مشاكل السياب المرضية لا بد أن أعطي القارئ نبذة عن حقيقة مرض السياب حتى يتمكن القارئ من المقارنة بين أعراض المرض عامة وما اشتكى السياب منه في أشعاره وكيف يؤثر المرض في المريض.

 

حقيقة مرض السياب (ALS):

 

فمرض السياب يسبب تحلل خلايا المخ المسؤولة عن حركة عضلات الجسم. فينتج عن تحلل تلك الخلايا الدماغية ضعف وضمور في العضلات. وغالباً ما يبدأ ذلك في الرجلين واليدين. ويصاب المريض خلال 3-5 سنوات بصعوبة في النطق وبلع الطعام والتنفس. ويسمى المرض أيضاً مرض (لو جرنج) باسم نجم كرة (البيس بول) الذي مات بنفس المرض.

فأول ما يبدأ المرض يشعر المريض بضعف بسيط في العضلات المصابة، ويفقد الشخص التحكم التام بأصابعه أو يده. فضعف عضلات الرجل يجعل المريض يتعثر ويسقط أثناء المشي. وضعف اللسان يجعل المصاب يتكلم ببطء، وضعف عضلات البلع يجعل البلع صعباً. وقد يصاب المريض بتقلص ورعشة في العضلات، وتيبس في الساق وسعال. كما أن الجسم ينحل. ويتعرض المصابون بهذا المرض للالتهابات الرئوية وفشل في التنفس بسبب كثرة ما يشرقون به من طعام وشراب.

 

وقد وصف لنا السياب الكثير من أعراض المرض المذكورة أعلاه في أشعاره، فقد وصف نفسه قائلا:

 

(يمشي على عكازةٍ ويعثرُ) 

وقال عن شلله:

(أحرّك الأطراف لا تطيعني، مشلولة).

وعن نحوله:

(أشاجع غاب عنها لحمها)

وقال عن الرعشة:

(وعرّى عظامي فهي راعشةٌ).

وقال في قصيدة أخرى:

جاءت لمرتجف،

على السرير،

وراء الليل يُحتضرُ. ...

 

 تلك نبذة من أعراض عاناها السياب فذكرها في أشعاره، وسأذكر في الفقرات التالية قصائده التي وصف فيها حالته المرضية بإسهاب.

 

فالمرض المذكور أعلاه يدمّر القدرة على الحركة فقط، أما التّفكير والسّمع والبصر فيبقى على حاله. فيمكن أن يشعر المريض بالحاجة إلى الحكّة في رجله، لكنه قد يستغرق 10 دقائق ليتمكن من بلوغ الهرش. والسياب الذي فقد الحركة لم يفقد قواه العقلية حتى ساعاته الأخيرة.

 

والحمد لله أن هذا المرض يعتبر من الأمراض النادرة نسبياً. ففي أمريكا والدول الغربية يشكل المرض بين 2-7 في كل 100,000 نسمة. وبين 5-10% من المصابين لهم أسباب وراثية للمرض. فالغالب أنه لا يعرف لهذا المرض سبب، ولكن يثار شك حول الفيروسات التي قد تكون مسببة له. كما لا يعرف له علاج حتى الآن.

 

بداية مرض السياب:

 

لم يؤرخ بدر في أشعاره السنة التي ظهرت عليه فيها أعراض المرض. ويذكر إحسان عباس (1) أن الشرطة في بغداد اعتقلت الشيوعيين بعد مظاهرات صاخبة وأودعتهم السجن. ولأن اسم السياب مسجل عندهم كشيوعي، مع أنه كان قد ارتد عن الشيوعية وكتب في الصحف ضدها، تم اعتقاله بينما كان في البصرة ونقل إلى بغداد وسجن مع الشيوعيين بين 4/2/-20/2/1961  بتهمة المشاركة في المظاهرات في بغداد! ولما أثبت أنه لم يكن في بغداد آنذاك أطلق سراحه. ويقول إحسان عباس إنه بينما كان في السجن "اضطرت دائرة الأمن إلى نقله من الرفاق (الذين أساؤوا إليه) ووضعه مع البعثيين. وإن البعثيين الذين دخل السجن معهم كانوا يقضون ليلهم وهم يداوون جراحهم وحروقهم لشدة ما يلقون من صنوف التعذيب حتى بلغ الأمر بأحدهم وقد تشوهت خلقته أن لف نفسه ببطانية وأحرق نفسه على مرأى من السياب. وفزع الشاعر ذو الحس المرهف للموت يراه عياناً على بعد خطوة، فانهارت نفسه. وخرج من السجن معتلاً، يظن أن الوهن في جسمه النحيل لأنه لا يقوى على تحمل الآلام، ولكن الوهن في الواقع صدمة نفسية عميقة تزلزلت لها أركان جسمه، وكانت بداية النهاية"(1).

ولقد ظن بدر وكذلك بعض من كتب عنه أن المشاكل النفسية التي واجهته سببت مرضه، وذلك لجهل الناس بحقيقة مرض السياب فلجؤوا إلى التكهن.

ويضيف إحسان عباس نقلاً عن علي السبتي "إن بداية الانحدار في صحة بدر إنما جاءت إثر مروره على مقهى يجلس فيه بعض أصحابه القدامى من الشيوعيين، فلما حياهم لم يردوا التحية.. فأحس بجرح عميق وكآبة .. ومرارة. و في اليوم التالي حاول الوقوف على قدميه فلم تسعفه قوته (1).

وكانت تلك أيضا تكهنات من أشخاص لم يعرفوا أن السياب كان مصاباً بمرض متلف لخلايا الأعصاب، يزداد سوءاً بمرور الأيام حتى يقضي على حياته.

ويذكر عيسى بلاطة (8) أن بدراً عاد إلى البصرة بعد الإفراج عنه لمواصلة عمله ولكن "في هذه الأثناء كانت صحة بدر في تدهور. وقد وجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وبدأ يشعر بالألم في القسم الأسفل من ظهره. فراجع الدكتور توما هندو في البصرة. وحصل على "بعض التحسن". ولكنه كان يقول إنه يعاني من فقر شديد في الدم.

ولا شك أن "بعض التحسن" هو ما كان يقوله بدر بعد زيارة الأطباء بسبب التأثير النفسي لطمأنة الأطباء والممرضين، كما أنه قد يكون نوعاً من أنواع التفاؤل. "تفاءلوا بالخير تجدوه".

 

يبدو مما سبق أن أعراض المرض بدأت على بدر سنة 1961م بعدما خرج من السجن، ولكن عيسى بلاطة نفسه يروي ما يدل على أن المرض قد بدأ في السنة السابقة أي سنة 1960، حيث يذكر أن بدراً ذهب إلى بيروت لنشر مجموعة قصائده في شهر يوليو سنة 1960 وأقام فيها شهراً ثم عاد إلى العراق. وبعد عودته أعيد تعيينه في مديرية الاستيراد والتصدير (بغداد) في 16-8-1960 بعد أن كان قد فصل منها سابقاً، غير أنه على ما يبدو لم يكن سعيداً بالحياة في بغداد. وكانت صحته قد بدأت تتأثر من ضغط العمل المضني والتوتر السياسي، فصار يشكو من ضعف عام ومن بعض الصعوبة في تحريك رجله اليمنى. فراجع د. علي كمال أختصاصي أعصاب "فتحسنت صحته". ثم قرر أن يغادر بغداد، فاستقال من وظيفته في 22/1/1961 وانتقل بعائلته إلى البصرة (8).

 

إذن بدأ مرض السياب أولاً وبالتحديد في رجله اليمنى في الفترة بين شهر أغسطس 1960 ونهاية ذلك العام. ولو تمعنا في أشعاره التي ذكر إحسان عباس (1) أنه كتبها سنة 1960 لبرزت منها قصيدتان تدلان على يأسه من الحياة وشعوره بقرب أجله، والقصيدتان هما (مرحى غيلان) و (تموز جيكور). يقول في الأولى عن طفله الصغير غيلان الذي لم يتجاوز الثالثة من العمر آنذاك، إن غيلان وريث دم آبائه، فهو يواسي نفسه، ويحاول إقناعها بأنه إذا مات فالموت ليس نهاية لبدر، ولكنه بداية حياة جديدة، فسيعيش بدر أو سيولد من جديد على الأرض من خلال حياة ابنه غيلان:

 

يا سُلَّم الدم والزمان: من المياه إلى السماءِ
غيلانُ يصعدُ فيه نحوي، من تراب أبي وجدي

ويداه تلتمسان ثمَّ يدي وتحتضنان خدّي

فأرى ابتدائي في انتهائي.

يا ظلّي الممتدَّ حين أموت، يا ميلاد عمري من جديد (19).

 

أما القصيدة الثانية التي كتبها في نفس العام (تموز جيكور)، فتدل على أن فكرة الموت سيطرت على عقله تماماً، وأدرك أنه لا أمل له في الشفاء، فوصل إلى قمة التشائم في تعبيره عن الحياة. أما "جيكور" فهي مدينة طفولته التي آلت إلى خراب بمرور الزمن، فإنه يتنبأ بأن العمار سيلحق بها، وستنهض من سباتها، ولكنه لن يكون فيها ليرى نهضتها، بل سيكون في سجن القبر المظلم، حيث يصمت قلبه ولن ينهض من سباته، ولن يتحرك فيه إلا الدود. فالحياة في نظرته المتشائمة تسير إلى العدم ولا خلود إلا للموت:

 

لو يُومِض في عِرْقي نورٌ

فيضيء ليَ الدنيا !

لو أنهض، لو أحيا !

لو أسقى ! آهٍ لو أسقى.

جيكور ستولد من جرحي،

من غصة موتي من ناري.

جيكور ستولد.. لكنّي
لن أخرج فيها من سجني

في ليل الطين الممدودِ

لن ينبض قلبي كاللحنِ

في الأوتار،

لن يخفقَ فيه سوى الدودِ.

لا شيءَ سوى العدم العدم،

والموتُ هو الموتُ الباقي (19).


 

 

 

في الحلقة التالية سأتناول حالة اليأس التي مني بها السياب مع بداية المرض وحالة مريض آخر أصيب بنفس المرض واعتراه شعور مماثل لشعور السياب.

 

 

المراجع:

  1. بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره: إحسان عباس (1983).
  2. إقبال: بدر شاكر السياب.
  3. رسائل السياب: ماجد السامرائي.
  4. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.
  5. البواكير: بدر شاكر السياب.
  6. أعاصير: بدر شاكر السياب.
  7. منزل الأقنان: بدر شاكر السياب.
  8. بدر شاكر السياب حياته وشعره: عيسى بلاطة (1987).
  9. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.
  10.  الهدايا: بدر شاكر السياب.
  11.  المعبد الغريق: بدر شاكر السياب.
  12.  بدر شاكر السياب ج1 ص19: إيليا حاوي.
  13.  أزهار وأساطير: بدر شاكر السياب.
  14.  إقبال وشناشيل ابنة الجلبي: بدر شاكر السياب.
  15.    Solomon: Handbook of Psychiatry  
  16.  شعر بدر شاكر السياب: حسن توفيق.
  17.  K. Kiple: The Cambridge World history of Human Disease  
  18.  Harrison’s: Principles of Internal Medicine 14th Edition  
  19.  أنشودة المطر: بدر شاكر السياب.
Go to top