بدر شاكر السياب شاعر عراقي توفى سنة 1964م بعد أن أصيب بمرض خطير لا تعرف أسبابه ولا يعرف له علاج. إنه مرض يقتل خلايا الأعصاب فيصاب المريض بالشلل ويؤدي إلى الوفاة.

فمعاناة السياب وصراعه مع المرض العضال ووصفه عما يحس من ألم ويأس، زادتني عطفاً وحزناً عليه ورغبة في الاطلاع على ما كان لديه. فقررت مواصلة البحث في أشعاره وتحليل قصائده. وحيث إني سأنشر هذه الدراسة في حلقات (بين الطب والأدب) لزملائي الأطباء بشكل خاص، فلابد أن أنهج في هذه الحلقات نهجاً مألوفاً لدي ولديهم وذلك بالتركيز على الأعراض والمشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية للمريض الشاعر.


 

مشاكل بدر الصحية:

 

لقد كان بدر يعاني من مشاكل نفسانية وجسمانية قبل أن يصاب بالمرض العضال، مرض الأعصاب الذي أودى بحياته. وكانت عقدة الموت من المشاكل النفسية التي سيطرت على تفكير بدر منذ سن مبكرة.

فقد ذكر ذلك في بعض أشعاره:

 

عيوني بآفاقه ساهرات      وحولي يبيت الورى رقَّدا

بأرجائه ألتقي بالممات      كأني على  موعد بالردى (5)

 

وتذكر كتب الطب النفسي أن بعض الشباب في المرحلة الأخيرة من فترة المراهقة تسيطر عليهم أفكار عن فلسفة الحياة والغرض منها، كما تسيطر على بعضهم فكرة الموت أو الخوف منه (15).وقد سيطرت على بدر تلك العقدة، عقدة الموت سيطرةً كبيرة منذ أيام المراهقة.

كتب السياب سنة 1948 وهو صغير وقبل أن يصاب بالمرض القاتل باثنتي عشرة سنة في قصيدة (في ليالي الخريف):

 

كيف يطغى علي المسا والمَلال !؟

في ضلوعي ظلام القبور السجين،

في ضلوعي يصيح الردى بالتراب الذي كان أمي:

"غدا سوف يأتي فلا تقلقي بالنحيب،

عالم الموت حيث السكون الرهيب".

سوف أمضي كما جئت واحسرتاه! (13)

 

كان هاجسه الموتَ والحزن منذ كان في المرحلة الثانوية، وقد ظهر مدى انشغاله بفكرة الموت آنذاك وقبل أن يصاب بالمرض العضال في كتاباته المدرسية لدروس الإنشاء. ومن ذلك موضوع كتبه بعنوان (ضال في غابة جنة الليل)  يقول فيه : "أولئك الناس الذين ضلوا مثلي ثم تلاشوا أمام ظلمات الليل...إني أسمع حشرجتهم ...وأرى جماجمهم الصفراء تطل علي بمحاجر كأنها قبور مظلمة، وكأني أسمع نداءً خفياً من أولئك الأموات ، إنهم يقولون: إني ضيفهم الليلة، يا للهول" (1).

 

كما كتب موضوع إنشاء غريباً وكأن القدر يعده لمرضه الذي سيحار الأطباء في علاجه حيث كان الموضوع الذي اختاره عن (طبيب ذاع صيته...أصيب بداء حار فيه الأطباء) وكأنه يتنبأ بما سوف يصيبه عندما يكبر. لقد تقمص بالفعل شخصية المريض في بعض أجزاء الموضوع قائلاً: " كم أتحسر على تلك القرية النائية الجميلة بحقولها الخضراء التي تتسابق فيها الجداول التي واصلت بين ضفافها جسور صغيرة من جذوع النخل، هذه الجسور تشبه قلبي، قلبي الذي تعبر عليه حوادث الزمان ونوائبه، وهو معروض على ينبوع الحب ولكنه يرى المياه ولا يشربها"(1). والواضح من وصفه للقرية أنها هي قريته جيكور التي كان يحن إليها.

هذا التقمص للضال الذي يترصده الموت والطبيب المريض الذي قضي عليه بالموت من الأمور السهلة عليه لكثرة ما يفكر فيها، فالموت قد طغى على تفكيره منذ الصغر. وتنبأ أنه سيموت وهو صغير.......

ومشكلته النفسية الأخرى شعوره باليأس وقدازداد يأسه بعد أن فصل من الكلية فكتب لخالد: " كم عاهدت نفسي في سكون الليل العميق أن أخفت نغمة اليأس في أشعاري وأمحو صورة الموت من أفكاري...ولكنني واحسرتاه عدت بصفقة الخاسر، وحظ الخائب، وقد نذرت نفسي للألم والشقاء واليأس والفناء؛ وما أجهلَ من لامني على أن سميت مجموعة أشعاري "الأزهار الذابلة"  ليته كان معي ليرى أن كل الكون: الأرض والسماء والتراب والماء والصخر والهواء ، أزهاره ذابلة في عينيَّ الشاحبتين ونفسي الهامدة الخامدة". (من رسالة إلى خالد في كانون الثاني 1946) (1).

ولكن كان ليأسه أسباب كثيرة فقد كان يتألم من الطرد والفشل المتلاحق في الحب والفقر والفراغ والبطالة. لذلك كان يكتب أشعاراً تقطر ألماً وحسرة منذ سن مبكرة قبل المرض.

ألم يقل في إحدى قصائده؟:

 

كم بات يلتمس الحنانَ فما رأى     طيفَ الحنان وفاتَه ما ينشد

 

وكم عبر عن حيرته واضطراب خواطره كما قال في لقاء بين شاعرين:

 

الشاعر الغرّيد لاقى شاعرا                     

هذا يُرى شبِقاً وهذا طاهرا

وبقيت مضطربَ الخواطر والهوى 

بين  الفضــيلةوالرذيلة حائرا (4)

 

ذلك الشعور باليأس والحيرة والإثم جعله يطلب العون والشفاعة من نبينا الكريم (ص) عندما اتجه إليه بالمدح كما ذكرت في الحلقة السابقة:

 

نبيَّ الهدى كن لي لدى الله شافعاً      فإنيلكل  الناس عان  محير

تمرست   بالآثام  حتىتهدمت      ضلوعي وحتى جنتي ليس تثمر  (10)

 

 الخمر:

 

أما بالنسبة لشربه الخمر فالواضح من سيرته أنه مسرف في الشرب، وإن كان الذين دافعوا عنه قالوا أنه لم يسرف في الشرب ولكنه لنحوله، فالقليل من الشرب يسكره، وقالوا: "قليل" من الشراب يتركه فاقد الوعي مدة ساعات. وهذا الدفاع ضعيف ولا يتفق مع المعلومات الطبية عن الخمر. فالشخص الذي يتعاطى شرب الخمر يجد نفسه في حاجة إلى زيادة كمية الخمر، فيضاعفها بمرور الزمن ليحصل على نفس التأثير. فالذي يسكره أو يفقده الوعي كأس واحدة في بداية تعاطيه الخمر يحتاج إلى كؤوس عديدة بعد سنوات من التعاطي ليسكر أو يفقد الوعي. وكونه يفقد الوعي بعد الشرب يدل على إسرافه في الشرب وقد يكون لجوؤه إلى الخمر هروباً من معاناته النفسية التي ذكرتها أعلاه وتذبذبه الفكري.

 

 نحافة مفرطة وفقر دم:

 

 لقد كان بدر نحيفاً منذ طفولته ولم يكسُ اللحم عظمه، بسبب الفقر صغيراً ومرض السل في الشباب. كما أن التدخين الذي يقلل شهية الإنسان للأكل أنحله. كما أصيب بفقر دم ناشئٍ عن سوء التغذية وجهله بأمور الصحة أدى إلى شحوب لونه.

والذي يؤكد أن التغذية هي السبب في فقر دمه وهزاله أنه في نهاية 1948 بعد حصوله على راتب 50 ديناراً أصبح "يتمتع بصحة جيدة واكتسى باللحم وغاب عنه شحوبه الملازم له" نقلا عن محمود عبطة (16).

 

التدخين:

 

كان السياب مدخناً شرهاً، قال عنه بلند الحيدري "كان يشرب من غير إسراف ويدخن بكثرة" (8). ولا عجب أن يكون كذلك والتدخين منتشر في عائلته ومحيطه الاجتماعي ، ولم ير بدر بأساً في تلك العادة بل قد كان يفخر بها ويذكرها في أشعاره، فقد ذكر أن جد أبيه كان يدخن وهو يروي لهم القصص. قال في قصيدة (إرم ذات العماد):

 

من خللِ الدُّخان من سيكارة،

من خلل الدخان، حدثنا جدُّ أبي

فقال : "يا صغارْ"..... (14)

 

أما عن تدخينه هو فقد قال في:  قصيدة "ليلى" (14) :

 

" التبغُ صحرائي أهيم على رفارفها الحزينة ".

 

كما قال في قصيدة أخرى، قصيدة (رسالة) :

 

رسالة  منكِ كاد  القلب  يلثمها      لولا الضلوعُ التي تثنيهأن يثبا

لكنها تحمل الطيب  الذي  سكرت       روحي به ليل بتنا نرقب  الشهبا

في غابة من دخان التبغ أزرعها       وغابة من عبيرمنك  قد  سربا  (14)

 

وفي قصيدة (فرار 1953) قال:

 

في ليلة كانت شرايينها فحما،

 وكانت أرضها  من  لحود،

 يأكل  من أقدامنا  طينها...

لكننا واحسرتا   لن  نعود،

أواه ُ لو سيكارةٌ  في فمي،

رغم  الدجى   يا  عراق!   (11)

 

وهكذا تبين أشعاره إدمانه على التبغ الذي أضعف جسمه، ولا نعلم إن كان للتدخين علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمرضه الذي قضى عليه، ولكني أعلم أنَّ هناك آخرين أصيبوا بنفس مرض السياب وكانوا مدخنين.

 

وفي الحلقة القادمة سأتطرق إلى الحديث عن قناعتي من قراءتي لأشعار السياب أنه أصيب بمرض السل.

 

المراجع:

  1. بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره: إحسان عباس (1983).
  2. إقبال: بدر شاكر السياب.
  3. رسائل السياب: ماجد السمرائي.
  4. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.
  5. البواكير: بدر شاكر السياب.
  6. أعاصير: بدر شاكر السياب.
  7. منزل الأقنان: بدر شاكر السياب.
  8. بدر شاكر السياب حياته وشعره: عيسى بلاطة (1987).
  9. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.
  10. . الهدايا: بدر شاكر السياب.
  11. . المعبد الغريق: بدر شاكر السياب.
  12. . إيليا حاوي: بدر شاكر السياب ج1 ص19
  13. . أزهار وأساطير.
  14. . إقبال وشناشيل ابنة الجلبي.
  15. . Solomon: Handbook of Psychiatry  عر بدر شاكر السياب: حسن توفيق.
Go to top