بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

في

دراسة أشعار بدر شاكر السياب

 

 

سمعت قصة قيس وليلى أول مرة عندما كنت في السابعة من العمر، ولم أكن أعرف القراءة آنذاك. فقد كانت جارتنا "عفراء" رحمها اللّه، تقرأ القصص على النساء مساءً. وكنت أنام أثناء قراءة قصص ألف ليلة وليلة ولكني كنت مستمعاً جيداً لقصة مجنون ليلى، وكنت أتابع وقائعها وسماع أشعار بطلها بتيقظ واهتمام وتفاعل، حتى إن الدموع سالت من عينيّ تأثراً  ببعض أشعار قيس الحزينة. ولم أنجح في إخفاء دموعي عن النساء، فوقعت في إحراج شديد، وخاصة عندما قلن لأمي: "سيصبح ولدكِ عاشقاً".

ولقد وصفت الحادثة في قصيدتي عن ذكريات الطفولة (لامية الخليج) ومنها قولي:

 

ولما  بَكى   قيسٌ   بكيتُ    لحالـهِ

 

وقد أُرغِمتْ  ليلاهُ   قهراً عـلى  بعْلِ

فسالتْ دموعي  لــوعةً   وتَفطُّراً

 

لأنَّ  لهيبَ  العشقِ   يا ويلَه  يُصـلي

وقد لاحظتْ  بَعضُ  النساءِ  بمُقلتي

 

دُموعاً  لوقعِ  الشعرِ تطفحُ  كـالسيلِ

وقالت لَكِ  النسوانُ:  يا  أمَّ  عاشقٍ

 

صغيرُكِ ذو عشقٍ وما العِشقُ للـطفلِ

فلم تُنصفِ النسوانُ إحساسَ  شاعرٍ

 

بآلامِ  عشَّاقٍ   بكتْ   عينُهم   قبـلي

وما ضَرَّني  لو كُنتُ  أعشَقُ  مثلَهم

 

خَيالاً  أُناجيهِ   يعلِّــمُ   أو  يُـسلي

 

وبعد تخصصي في أمراض القلب وإعادة قراءتي لقصة مجنون ليلى وتمعني بأشعاره تمعن متخصص في أمراض القلب، اكتشفت حقيقة مرض الشاعر قيس بن الملوح، وأدركت أنه لم يكن مجنوناً بل عاقلاً يعاني الحبَّ واضطراب دقات القلب، وأنه مات بجلطة قلبية واضحة. ولقد حررت له شهادة وفاة طبية. ونشرت تلك الدراسة في مجلة (الصحة) المحلية. ثم قررت أن أبحث في الموضوع الأزلي وهو (العلاقة بين الحب والقلب) بين الواقع العلمي والتراث الأدبي وكتبت مقدمة شعرية للدراسة قلت فيها:

 

تقلبَ  القلبُ  بينَ الطبِّ  والطربِ

 

مُذْ قمتُ  أجمعُ بين العـلمِ  والأدبِ

فلن  يضرَّ طبيباً   فحصُ  أفئـدةٍ

 

لاقتْ  من العشقِ أصنافاً من الكرَبِ

قد يكشفُ الشعرُ للمختصِّ معضلةً

 

غابت عن الفهمِ  آلافاً من الحِـقَبِ

قد يفخرُ الطبُّ إن أعلنتُ مكتشفاً

 

سرَّ العلاقةِ  بين  العشقِ   والعطبِ

وقمتُ  أشـرحُ  أشـعاراً  مُفنِّدةً

 

أسبابَ  موتٍ  لعشاقٍ  من العـربِ

 

وبدأت أبحث في مرادفات كلمة القلب في اللغة، وتشعبت بي الدراسة إلى تاريخ القلب عند الإغريق والمصريين القدامى والبابليين، واستغرق البحث عقداً من الزمن، تحدثت عنه في محاضرات عن تاريخ الطب.

ولكني عدت السنة الماضية للبحث في أشعار المرضى من الشعراء، لعلي أقف على أعراض مرضية لم ينتبه لها القارئ غير المتخصص في الطب.

ففكرت في دراسة أشعار بدر شاكر السياب. وكان السبب في اختياري السياب للبحث هو أني كنت سأكتب عن مرض السل، معتقداً  - كما قيل لي- أنه مات بمرض السل. ولما بدأت في التمعن في قصائده، أدركت أن السل قد أصابه فعلا ولكنه لم يقتله، بل مات بمرض آخر. ولما شرعت في الكتابة عن بدر شاكر السياب لم أكن أعرف حقيقة مرضه ولا عدد الحلقات التي سأكتبها. كنت أظن أني سأكتب حلقتين أو ثلاثاً، ولكن البحث تشعب وطال أكثر مما توقعت.

ولم يكن قصدي كتابة سيرة السياب، ولذلك فمن أراد الاطلاع على تفاصيل حياته فليبحث عنها في مراجع أخرى، ولكن اهتمامي في الدراسة منصب علىالمشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية للمريض الشاعر. ولقد فرضتْ علي أشعاره ذكرَ بعض الحوادث السياسية والاجتماعية في حياته، فذكرتها باقتضاب. أما المعاناة المرضية فاسترسلت في ذكرها بإسهاب.

 

لقد أثرى السياب تاريخنا الأدبي بأشعار المعاناة المرضية بإسهاب وشعور جياش. ومع حبي الشخصي لتاريخنا الأدبي وقراءتي له كلما وجدت فراغاً منذ الصبا، فإني لم أقف على شاعر عربي وصف أعراضه المرضية وهو يرنو إلى الموت الذي يقترب منه خطوة خطوة، يوماً بعد يوم، كما فعل السياب.

 

ولا شك أن الإنسان يَحزَن عندما يقرأ أشعار الحزن واليأس والألم. ولقد تأثرت بأشعار بدر الحزينة، وخاصة آخرَ قصيدة له (إقبال والليل)، والقصيدة التي كانت قبلها (المعول الحجري)، التي أنهاها قائلاً:

 

 ... وَدَاعاً يا صحابي، يا أحبائي

 

ففكرت أن أرثيه بأربعةِ أبيات أو خمسةٍ لأنشرها في هذه المقدمة، ولكن القصيدة طالت بدون قصد، مما تعذر إدراجها في هذه المقدمة. فرأيت أن أفرد لها حلقة خاصة أنهي بها البحث. ومما قلت فيها:

 

أيا  بدرَ العـراقِ  لكم   دعـائي

 

بجنـاتٍ  ورضـوانِ  السماءِ

أيا  بدرُ  بنُ  شاكرَ  مـا  نسينا

 

صدى السيَّابِ في شعرِ العَناءِ

أبا غيـلان  إني  قمـتُ   أشدو 

 

بأشـعارٍ تميلُ  إلـى  الرثاءِ

سأشرحُ  داءَكم  في  مـا  كتبتم

 

من الأشعارِ في وصفِ البَلاءِ

فآخِرُ ما  كتبتَ  أسـالَ  دمـعي

 

بـ (إقبالٍ)  ترددُ  في  النداءِ

 

المؤلف

Go to top