حجب ليلى عن قيس

 

لما عرف الناس خبرَ قيس بن الملوح وعشقه لليلى بنت المهدي وتناقل الناس أخباره وأشعاره التي يبث بها أشواقه وحبه لليلى، قرر أهلها حجبها عنه، وحذروا قيساً من زيارتها والتحدث إليها. وقيل إنهم طلبوا من الخليفة الأموي هدر دمِه إن زار ليلى، وإن الخليفة أقر ذلك وكتب إلى عامله بهدر دمه إذا وُجد عند ليلى. فاشتد الأمر على قيس حتى جُنَّ وصار يلهج منادياً ليلى ليلاً ونهاراً، وقال:

 

أَلا حُجِبَت  لَيـلى  وَآلى  أَميرُها      عَلَيَّ  يَميناً  جاهِداً  لا  أَزورُها

وَأَوعَدَني  فيـها  رِجالٌ  أَبَرَّهُم       أَبي وَأَبوها خُشِّنَت لي صُدورُها

عَلى غَيرِ شَيءٍ غَيرَ أَنّي أُحِبُّها        وَأَنَّ فُؤادي عِندَ  لَيلى  أَسيرُها

 

وقال:

 

فَإِن يَحجِبوها أَو يَحُلْ دونَ وَصلِها       مَقالَةُ   واشٍ   أَو  وَعيدُ   أَميرِ

فَلَن يَمنَعوا  عَينَيَّ  مِن دائِمِ  البُكا       وَلَن يُخرِجوا ما قَد أَجَنَّ ضَميري

إِلى اللَهِ أَشكو ما أُلاقي مِنَ الجَوى       وَمِن  نَفَسٍ  يَعتــادُني  وَزَفيرِ (1)

 

ومرض المجنون فعاده قومه ونساؤهم ولم تعده ليلى فيمن عاده فقال:

 

ألا ما  لليلى لا تُرى عند  مضجعي     بليلٍ  ولا  يجري  بـذلك  طائرُ؟

بلى إن عُجمَ الطير تجري إذا جرتْ     بليلى  ولكنْ ليس  للطير   زاجرُ

أزالتْ على العهدِ  الذي  كان  بيننا      بذي الأثلِ أم قد غيرتها  المقادرُ؟

فوالله ما في القربِ لي منك  راحةٌ      ولا البعدُ يُسليني  ولا  أنا  صابرُ

وواللهِ  مـا  أدري   بأيةِ  حـيلةٍ؟     بأي   مرامٍ   أو  خِطارٍ  أخاطرُ؟

فتاللهِ  إن  الدهر  في   ذات   بيننا     عليَّ  لها  في  كلّ   حالٍ  لحائرُ

وقد أصبحَ  الودُّ  الذي  كان  بيننا      أمانيَّ   نفسٍ   والمؤملُ    حائرُ

لعمري  لقد  رتّقت   يا  أمّ   مالكٍ      حياتي   وساقتني  إليك  المقادرُ

 

وقال:

 

إِلَيكَ  عَنِّيَ  إني  هـائِمٌ   وَصِبُ          أَما تَرى الجِسمَ قَد أَودى بِهِ العَطَبُ؟(2)

لِلَّهِ  قَلبِيَ  مــاذا  قَد  أُتيحَ  لَهُ         حَرُّ  الصبابَةِ  وَالأَوجاعُ  وَالوَصَبُ؟ (3)

كَيفَ السَبيلُ إِلى لَيلى وَقَد حُجِبَت؟        عَهدي بِها  زَمَناً  ما  دونَها  حُجُبُ

 

وقال متذمراً من محاولات أهل ليلى صدَّه عن رؤيتها ووضعه تحت الرقابة:

 

أَحَقًّا  عِبادَ اللَهِ  أَن  لَستُ  وارِداً         وَلا صادِراً  إِلا  عَلَيَّ  رَقيبُ؟

وَلا زائِراً  فَرداً  وَلا  في  جَماعَةٍ         مِنَ الناسِ إِلاّ قيلَ أَنتَ مُريبُ

وَلا خَيرَ في الدنيا إِذا أَنتَ لَم تَزُر         حَبيباً  وَلَم يَطرَب إِلَيكَ  حَبيبُ (4)

 

 

ما بالُ  قلبِكَ  يا  مجنونُ  قد  هلعا       من حب من لا ترى في وصلها طمعا؟ (5)

الحبُّ والعشقُ سِيطا مِن دَمي لهما       فأصبـحا   في   فؤادي  نابتينِ  معا (6)

طوبى  لمن أنتِ  في الدنيا  قرينتُه       لقد  نفى الله  عنه  الهمَّ   والجـزَعا (7)

بل  ما  قـرأت  كتاباً  منكِ يَبلُغُني       إلا  تــرقرقَ  ماءُ  العين  أو  دَمعا (8)

أدعو  إلى  هجرها  قلبي  فيتبعني       حتى إذا  قلتُ  هذا  صـادقٌ  نـزَعا

لا  أستطيعُ   نزوعاً   عن  مودتها      ويصنع الحبُّ  بي  فوق الذي   صنعا

وزادني  كلفاً  في الحب  أن مُنعتْ       أحَبُّ  شيء  إلى  الإنسان   ما  مُنعا (9)

 

وقال يناجي بيت ليلى:

 

ألا  أَيُّها   البَيــتُ   الَّذي  لا أَزورُهُ       إن  حلّه  شخـصٌ  إليَّ  حبيبُ

هَجَرتُكِ  مُشـــتاقاً  وَزُرتُكِ   خائِفاً       وَفيكِ  عَليَّ  الدَهرَ   مِنكِ  رَقيبُ

جَرى السَيلُ فَاستَبكانِيَ السيلُ إِذ جَرى       وَفاضَت  لَهُ  مِن  مُقلَتَيَّ  غُروبُ

وَمــا  ذاكَ  إلا حـينَ  أَيقَنتُ   أَنَّهُ        يَكونُ  بِوادٍ  أَنتِ  مِنـهُ    قَريبُ

فَيا  ساكِني  أَكنافِ   نَخــلَةَ   كُلُّكُم        إِلى القَلبِ مِن أَجلِ الحَبيبِ  حَبيبُ

أَظَلُّ غـَريبَ  الدارِ  في أَرضِ عامِرٍ        أَلا  كُلُّ   مَهجورٍ هُنـاكَ  غَريبُ

 

وقال عن عذاب الحب:

 

يَقولونَ لَيلى عَذَّبَتكَ بِحُبِّها       أَلا حَبَّذا ذاكَ الحَبيبُ المُعَذِّبُ

 

ووصف حاله قائلاً:

 

فَمَن مُبلِغٌ عَنّي الحَبيبَ رِسالَةً       بِأَنَّ    فُؤادي   دائِمُ  الخَفَقانِ

وَأَنِّيَ مَمنوعٌ مِنَ النَومِ مُدنَفٌ        وَعَينايَ مِن وَجدِ الأَسى تَكِفانِ؟ (10)

 

فقد تحير في حب ليلى ولم يعرف لمشكلته حلاًّ، فصار يعتب على ليلى ويتهمها بهجره:

 

فَوَاللَهِ  ثُمَّ   اللَهِ  إنّــي   لَدائِبٌ       أُفَكِّرُ  مـا  ذَنبي   إلَيكِ   فَأَعجَبُ

وَوَاللَهِ  ما أَدري عَـلامَ  هَجَرتِني       وَأَيَّ  أُموري  فيكِ  يا لَيلَ  أَركَبُ

أَأَقطَعُ  حَبلَ الوَصلِ فَالمَوتُ  دونَهُ       أَمَ اشرَبُ كَأساً مِنكُمُ لَيسَ يُشرَبُ؟

أَمَ اهرُبُ حَتّى لا أَرى لي مُجاوِراً؟       أَمَ  اَفعَلُ  ماذا؟ أَم  أَبوحُ  فَأُغلَبُ؟

فَأَيُّهُما  يا  لَيلَ   مـــا  تَفعَلينَهُ       فَأَوَّلُ  مَهجورٌ  وَآخَــرُ  مُعتَبُ؟

 

وناشد والده العمل على تزويجه من ليلى قائلاً:

 

تَعَشَّقتُ  لَيلى   وَابتُليتُ   بِحُبِّها          وَأَصبَحتُ مِنها  في  القِفارِ أَهيمُ (11)

وَأَصبَحتُ  فيها  عاشِقاً  وَمُوَلَّهاً          مَضى الصبرُ عَنّي وَالغَرامُ مُقيمُ (12)

فَيا  أَبَتِ إِن  كُنتَ  حَقًّا  تُريدُني          وَتَرجو  حَيــاتي   بَينَكُنَّ  أُقيمُ

فَجُد لي بِلَيلى وَاصطَنِعني بِقُربِها         أَصيرُ لَــها زَوجاً  وَأَنتَ  سَليمُ

 

ويدّعي الرواة أنه لما يئس من زواجه بليلى، اختل عقله وأصابه الجنون، فهام على وجهه في البراري مع الوحوش عُرياناً يصوغ أشعاراً يبث فيها حبه وهيامه بها إلى أن مات.

 

الشرح:

1.  الزفير: إخراج النفس بينما الشهيق إدخاله.

2.  الوصب: المرض.

3. الصبابة: رقة الشوق أو الهوى وحرارته.

4.   الطرَب: خفة تصيب الإنسان لشدة حزن أو سرور.

5.   الهلَع: الجزع وقلة الصبر.

6.    سيطا: خلطا.

7.    الجزع: قلة الصبر.

8.    ترقرق الماء: تحرك وتلألأ وجرى جرياً سهلاً.

9.    الكلف: الإيلاع، فكلِف بالشيء: ولع به.

10. المدنف: المثقل بالمرض. تكفان: تقطران وتسيلان.

11.  أهيم: أسير على وجهي كالمجنون من العشق، فالهيام: شدة الحب.

12.  المولّه: المصاب بالوله وهو ذهاب العقل من شدة الوجد.

 

Go to top