رفض والد ليلى تزويجها بقيس 

خطب قيس ليلى من أبيها، لكن أباها رفض أن يزوجها قيساً، لأن قيساً تغزل فيها بأشعاره وفشا خبرهما بين العرب، ويقال إن العرب ما كانت تزوج من تغزل في بناتها خوفاً من العار. ولم يفلح أهل قيس في إقناع أبي ليلى بالزواج.
ولما يئس قيس من زواجه بليلى، حزِن ومرِض مرضاً شديداً، وكان قلبه قد تعلق بليلى وهو صغير تحيط به التمائم التي كان يُظنّ أن تمنع عنه العين والشر، ولكنها لم تمنع عنه الحب فهام قلبه بها. ودخل عليه مرة أبوه مع جماعة فسمعوه ينتحب بتوجع وينشد:

ألا أيها القلبُ الذي لجّ  هائمـاً        بليلى  وليداً  لم  تُقطع  تمائمـهْ(1)
أفِق قد أفاقَ العاشقون وقد أبى        لما بك  أن  تلقى   طبيباً  تلائمهْ (2)
فَما لَكَ  مَسلوبَ  العَزاءِ  كَأَنَّما         تَرى نَأيَ لَيلى مَغرَماً أَنتَ غارِمُهْ؟!
أَجَدَّكَ  لا  تُنسيكَ   لَيلى  مُلِمَّةٌ         تُلِمُّ  وَلا  عَهدٌ  يَطــولُ  تَقادُمُهْ

ويُقصد بكلمة طبيب في البيت الثاني أعلاه رفيق، أي أن قلبه لم يقبل برفيق غير ليلى.

فرفْض أبيها تزويجه بها، أثّر فيه تأثيراً شديداً، فاشتدت حالته النفسية والذهنية سوءاً. فقال له ابن عم له: اتق الله في نفسك، فإن الذي أنت فيه من عمل الشيطان، فقال:

يا حَبذا عملُ الشيطان من عملٍ      إن كان من عمل الشيطان حُبّيها
منّيتُها النفسَ حتى قد أضرَّ بها      وأبصرت  خَلَفاً  ممـا  أمـنيها

وقال:

أَتَيتُ أَبا لَيلى بِصَحبي وَنِسوَتي       وَجَمَّعتُ جَمعاً مِن رِجالِ بِلادِيا
بِأَن  يَتَخَلّى عَن  قَساوَةِ   قَلبِهِ       فَزادَ  فِظاظاً   ثُمَّ  رامَ  هَلاكِيا (3)

وكان قيس يجلس في نادي قومه، يحدثه بعض القوم وهو باهت، يُنظر إليه ولا يَفهم ما يُحدّث به إلا إذا ذكرت ليلى. فقال له مرة بعض أهله: إنك "لمجنون" فقال:

إني لأجلِسُ  في  النادي  أُحدِّثُهم     فأستفيقُ  وقد  غالتنيَ   الغُولُ (4)
يهوي بقلبي حديث النفس دونكم      حتى يقول جليسي: أنت مخبولُ

كان لا يَقَرُّ على موضع ولا يُؤويه رحلٌ ولا يفهم إلا إذا ذُكرت ليلى. واعترف بأن قلبه متيم ببيضات الخدور وهو يقصد بيضة خدر واحدة وهي ليلى، ومخاطبة الجمع بقصد المفرد مألوف في اللغة، وقال إنه كان مَتبولاً بها أي إن حبها أسقمه:

ألا  أيها  القلب  اللجوج   المعذَّلُ      أفِقْ عن طلاب البيضِ إن كنت تعقلُ (5)
أفق قد أفاقَ العاشقون من الهوى      وأنت  بليلى  هــائم  القلب  مُتْبَلُ (6)

ولما نصحه أهله وأصدقاؤه بأن يتزوج امرأة أخرى ليسلوَ عن ليلى، رفض الفكرة قائلاً إن حبّ ليلى قد علق بقلبي مثلما يعلق الحبل بالدلو:

وقالوا لو تشاءُ سلوتَ عنها      فقلت  لهم  فإني  لا  أشاءُ
وكيف وحبها  علـقٌ بقلبي      كما   علقت  بأرشيةٍ  دلاءُ؟ (7)
لها حبٌّ  تنشَّأ  في  فؤادي      فليس له وإن  زُجر انتهاءُ
وعاذلةٍ  تُقَطِّـعني   ملاماً      وفي زجر العواذل  لي بلاءُ

ويروى أن أباه حمله على ناقته إلى بابل لعلاجه، فلما أمعن في السير ذكر المجنون ليلى فقال:

تمتع من ذُرى هضباتِ نجدٍ  فإنك موشكٌ أن لا تراها
أودِّعها  الغداةَ  فكلُّ  نفسٍ  مفارقةٌ  إذا بلغت مداها

فبكى أبوه شفقة عليه وقال: يا بني هل لك أن تسلوَ بغيرها؟ وقد نصحه غير أبيه بذلك أيضاً، فقال: والله ما أجد إلى السلوِّ سبيلاً، وأنشأ يقول:

وَكَم قائِلٍ  لي  اُسلُ  عَنها   بِغَيرِها        وَذَلِكَ مِن  قَولِ  الوُشاةِ عَجيبُ
فقلت  وعيني  تستهل   دمـوعُها         وقلبي بأكـناف الحبيب  يذوبُ
فَيا  لَيلَ  جودي   بِالوِصالِ  فَإِنَّني         بِحُبِّكِ  رَهنٌ  وَالفُؤادُ   كَـئيبُ
لقد شفَّ هذا القلبَ أن  ليس بارحاً         له  شجنٌ مـا  يُستطاع  قريبُ
فلا النفسُ تُخليها الأعادي فتشتفي         ولا النفسُ عما  لا تنالُ  تطيبُ
لكِ اللهُ إني  واصلٌ  مـا  وصلتني         ومُثنٍ  بمـا  أوليتني   ومُثيبُ
وآخذُ مـا  أعطيتِ  صفواً  وإنني         لأزْوَرُ  عمـا  تكرهين  هَيوبُ (8)
فلا تتركي  نفـسي  شَعاعاً  فإنها         من الوجد قد كادت عليك تذوبُ (9)
وألقى من الحـب  المبرِّح  سَورةً         لها بين جلدي والعظـام دبيبُ (10)
وإني  لأستحيـيـكِ  حـتى  كأنما        عليَّ بظـهر  الغيب منكِ رقيبُ (11)

الشرح:
1. لج: تمادى
2. التمائم: جمع تميمة وهي العُوذة من خرز أو غيره، تعلق على الجسم لطرد النفْس والعين.
3. الفظاظ: الغلظة والخشونة، والفظ هو الخشن في الكلام، ذو فظاظة.
4. الغُول: كل ما يغتال الإنسان ويهلكه.
5. اللجوج: المتمادي في الأمر. معذّل: ملام.
6. المتبل: الذي أسقمه الحب.
7. أرشية: جمع رشاء وهو حبل الدلو.
8. أزور: انحرف وعدل. الهَيوب: الخائف، الجبان.
9. الشعاع: التفرق، ونفس شعاع: تفرقت هممها.
10. سورة: منزلة.
11. أستحييك: أستحي منك.

 

رفض والد ليلى تزويجها بقيس

Go to top