رحيل ليلى وأهلها

ولما علم أبو ليلى أن قيساً، بعد أن نُهي عن زيارة ليلى، بقي يطلب غِرَّةً منهم حتى يتمكنَ من الزيارة، ارتحل وأهله عن دارهم وابتعدوا. وجاء المجنون عشيةً فأشرف على منازلهم فإذا هي منهم بلاقعُ، فقصد منزل ليلى الذي كان بيتُها فيه، فألصق صدره به وجعل يُمرِّغ خديه على ترابه ويبكي، ثم أنشأ يقول:

أَيا حَرَجاتِ الحَيِّ حينَ  تَحَمَّلوا       بِذي سَلَمٍ  لا  جادَكُنَّ  رَبيعُ
وَخَيماتُكِ اللاتي بِمُنعَرَجِ اللِوى       بَلينَ بِلىً  لَم  تَبلَهُنَّ  رُبوعُ
أَلا هَل  إِلى لَيلى  قُبَيلَ  مَنِيَّتي       سَبيلٌ؟ وَهَل لِلناجِعينِ رُجوعُ؟ (1)
نَدِمتُ عَلى ما كانَ مِنّي  نَدامَةً       كَما نَدِمَ المَغبونُ  حينَ يَبيعُ
لَعَمرُكِ ما شَيءٌ  سَمِعتُ بِذِكرِهِ       كَبَينِكِ  يَأتي  بَغتَةً   فَيَروعُ
إِذا ما  لَحاني  العاذِلاتُ  بِحُبِّها      أَبَت كَبِدٌ  مِمّا  أُجِنُّ  صَديعُ (2)

ومن أرقِّ ما قال:

فمن  أجلها   ضاقت   عليَّ   برحبها     بلادي إذا  لم  أرضَ  ممن  أجاورُهْ
ومن  أجلها   أحببتُ  من  لا  يُحبني     وباغضت من  قد كنتُ حِيناً أعاشرُهْ
أتهجرُ   بـيـتـاً   للحبيب   تعلقتْ     به  الحبُّ  والإعدامُ  أم  أنتَ  زائرُهْ (3)
وكيف خلاصي من جوى الحب بعدَما     يُسَرُّ  بـه  بطنُ   الفؤادِ   وظاهرُهْ
وقد مات  قلبي أول  الحبِّ  فانقضى     فإن مِتُّ أضحى الحبُّ قد مات آخرُهْ

وقيل إن  نسوةً من عشيرته جلسن إليه، فقلن له: ما الذي دعاك إلى كل ما نرى في هوى ليلى؟ فهل لك أن تصرف هواك إلى إحدانا فنساعِفَكَ ونجزيَك ويرجعَ إليك ما غاب من عقلك وجسمك؟ فقال لو قدرت على ذلك فعلت. فقلن له: ما الذي أعجبك منها؟ قال: كل شيء رأيتُه وشاهدتُه وسمعتُه منها أعجبني. وقال:

بيضاءُ خالصةُ البياض  كأنها قمرٌ توسّط جُنْحَ ليلٍ مُبرَدِ
موسومةٌ بالحسنِ ذاتُ حواسدٍ إنّ الجمالَ  مَظِنَّةٌ  للحُسَّدِ

ووَجّهَ لومَه للذين يلومونه في حب ليلى قائلاً:

هوى صاحبي ريحُ الشمال إذا  جرتْ        وأهوى  لنفـسي  أن  تَهُبَّ   جَنوبُ
فويلي  على  العـذال  ما  يتركونني        بغمّي  أما   في  العـاذلين   لـبيبُ؟(4)
يقولون   لو عزيت  قلبك   لارعوى        فقلت   وهل  للعـاشقـين    قلوبُ؟ (5)
دعاني الهوى  والشوقُ  لما  ترنمت        هَتوفُ الضحى بين الغصون  طَروبُ (6)
فقلتُ  حــمامَ  الأيكِ ما لكَ   باكياً؟       أفارقتَ  إلـفاً  أو  جـفاكَ   حبيبُ؟ (7)
تُذّكرني  ليلى  على  بعــدِ   دارِها       وليلى  قتَـولٌ   للرجالِ   خَــلوبُ (8)
وقد  رابني  أن  الصَّبا   لا  تُجيبني       وقد كان  يدعوني  الصَّبا   فأُجـيبُ (9)
فلو أن  ما بي  بالحصا  فَلق الحصا       وبالريحِ  لم  يُسمع   لهن   هـبوبُ
ولو  أنني   أستغفرُ   الله   كــلما       ذكرتكِ   لم  تُكـتبْ  عـليَّ   ذنوبُ

ومع كل ما يحس به من ألم الحب ومعاناته إلا أنه يلذ له ذلك ويتمنى المزيد من حرقة الحب قائلاً:

أيا هجرَ ليلى قد  بلغتَ  بي  المدى       وزدتَ  على ما لم  يكن  بلغ الهجرُ
عجِبتُ  لسعي الدهر  بيني  وبينها       فلما انقضى  ما  بيننا  سكنَ  الدهرُ
فيا  حبَّها  زِدني  جوىً  كلَّ   ليلة       ويا  سلوةَ   الأيام  موعدُكِ  الحشرُ
تَكاد  يدي  تندى  إذا  ما  لمستُها       وينبت  في أطرافها  الورق  النضرُ
فلو أن ما بي بالحصا  فلق الحصا       وبالصخرة الصماء لانْصدعَ الصخرُ

لقد لصقت صفة الجنون بقيس، ولكن كيف يصح أن يكون مجنوناً من يفكر في عواقب الأمور ويتمعن فيما آل إليه حاله وما ينتظره في المستقبل من فقر ووحشة بسبب حبه؟ فشاعرنا المعروف بالمجنون قال:

أَظُنُّ هَواها  تارِكي  بِمَضَلَّةٍ         مِنَ الأَرضِ لا مالٌ لَدَيَّ وَلا أَهلُ
وَلا أَحَدٌ أُفضي إِلَيهِ وَصيَّتي        وَلا صاحِبٌ إِلا المَطيَّةُ  وَالرَّحلُ

وكان يصور ليلى في التراب فيتمعن فيها ويشكو لصورة ليلى ما كان يحس به من وجد وكأنه يشكو للتراب:

أصور صورةً في الترب منها       وأبكي إنّ  قلبي   في  عذابِ!
وأشكو هجرها  منـها  إليها       شكايةَ  مُدنَفٍ عَظِمِ  المُصابِ
وأشكو ما  لقِيتُ وكـلَّ  وجدٍ       غراماً   بالشكـاية   للترابِ

وقيل إن أباه قال له أنا أزوّجك أشرف وأحسن من ليلى، فبكى وقال:

لليلى على قلبي من الحب حاجزٌ       مقيمٌ   ولكن  الفراقَ  عظيمُ
إلى الله أشكو فقدَ ليلى كما شكا       إلى الله  فقدَ  الوالدين  يتيمُ
يتيمٌ  جَفاه   الأقربون   فعظمُه       ضعيفٌ وعهد الوالدين قديمُ

والمقصود باليتيم هنا الضعيف وقد أكد الشاعر ذلك المعنى في البيت الثالث لأن فاقد الوالدين في اللغة اللطيم، أما اليتيم في الناس فهو فَقدُ الصبيّ أَباه قبل البلوغ، وفي الدوابِّ: فَقْدُ الأُمّ. وأصلُ اليُتْم، بالضم والفتح، الانفرادُ، وقيل: الغفْلةُ، والأُنثى يَتيمةٌ، وإذا بَلَغت زال عنها اسمُ اليُتْم. وفي حديث الشعبي: أَن امرأَة جاءَت إِليه (ص) فقالت إِني امرأَةٌ يتيمةٌ، فضَحِك أَصحابُه فقال: النساءُ كلُّهنّ يَتامَى أَي ضَعائفُ. فاليتيم في اللغة الضعيف وأَنشد ابن الأَعرابي:

 أَفاطِمَ، إِني هالكٌ فتثَبَّتي         ولا تَجْزَعي، كلُّ النساء يَتيمُ

 وكلُّ شيء مُفْرَدٍ بغير نَظيرِه فهو يَتيمٌ (16).
 
واحتال أهل قيس لإصلاحه وعلاجه بإرسال شخص يخبره أن ليلى تشتمه وتنقصه، عساه أن يداخله كرهها، فلما سمع قيس ذلك الادعاء أنشد:

تَمُرُّ الصَّبا صَفحاً بِساكِنِ ذي الغَضى        وَيَصدَعُ  قَلبي أَن  يَهُبَّ  هُبوبُها
إِذا هَبَّتِ  الــريحُ  الشَمالُ   فَإِنَّما         جَوايَ  بِما تهدي  إِلَيَّ   جَنوبُها
قَريبَةُ   عَهدٍ    بِالحَبــيبِ   وَإِنَّما        هَوى كُلِّ نَفسٍ حَيثُ  كانَ حَبيبُها
وَحَسبُ الليالي أَن طَرَحنَكَ   مَطرَحاً        بِدارِ  قِلىً  تُمسي  وَأَنتَ غَريبُها (10)
حَلالٌ   لِلَيـلى   شَتمُنا   وَانتِقاصُنا        هَنيئًا   وَمَغفـورٌ  لِلَيلى  ذُنوبُها

الشرح: 
1. الناجعون: جمع ناجع، وهو الذاهب في طلب الكلأ والخير ومساقط الغيث.
2. لحاني: لامني.
3. الإعدام والعدَم: الفقد.
4. لبيب: عاقل وذو لب.
5. ارعوى: كفَّ ونزع.
6. الهتوف: كثيرة الهتاف أي النواح وهي الحمامة.
7. الأيك: الشجر الكثيف الملتف. إلف: أليف.
8. الخلوب: المرأة الخلابة، التي تخلب قلب الرجل بألطف القول أي تذهب بفؤاده.
9. راب: أصاب بالشك. الصَّبا: ريح تهبُّ من الشرق.
10. القِلى: البغض.

Go to top