قيل: إن المجنون صحب يوماً أصحاب إبل، فنزلوا منزلاً لم يجدوا فيه ماء لإبلهم، فباتوا ليلتهم، فلما أصبحوا قدح أحدهم ناراً، فكلما التهبت أطفأتها الريح والمطر فقال المجنون:

 يا مُوقدَ  النارِ  يُذكيها  ويُخـمدها                قُرُّ  الشتاءِ  بأريـاحٍ  وأمطارِ

قم فاصطلِ النارَ من قلبي مضَرَّمةً               فالشوقُ يُضرمها يا مُوقدَ النارِ

رُدّ المطيَّ على  عيني  ومِحجرها                تروي المطيَّ  بدمعٍ مُسبِلٍ جارِ

القر: البرد.

 وأسهب في تلك الأوصاف الرقيقة لما يختلج في نفسه من حب شديد يُضرم في القلب ناراً ويسيل الدمع أنهاراً:

أقولُ لأصحابي وقد طلبوا الصَّلا         تعالُوا اِصطَلَوا إن خفتم القرَّ من صدري

فإنَّ  لهيبَ  النار  بين  جوانحي         إذا  ذُكرت   ليلى  أحَرُّ   من  الجــمرِ

فقالوا نريد الماء نسقي ونستقي         فقلت  تعالَوا  فاستقوا الماء  من نهري

فقالوا وأين النهرُ؟ قلتُ  مدامعي         سيغنيكمُ  دمعُ  الجـفون  عـن  الحَفرِ

فقالوا ولِمْ هذا؟ فقلت من الهوى         فقالوا لحاك اللهُ، قلت  اسمعوا  عذري

ألم تعرفوا وجهاً لليلى  شعاعُه          إذا برزت  يُغني عن  الشمسِ  والـبدرِ؟

الصلا: الدفئ، وصليت اللحم: شويته.

لحاك: لامك، واللِّحاء والمُلاحاة: الملامة.

 فهو يصف قلبه بالرقة وقلب ليلى بالقسوة لأنها بَعدت عنه:

 فؤادي  بين أضلاعي غريبُ             ينادي من يُحبُّ  فلا  يُجيبُ

أحاطَ به  البلاءُ   فكلَّ  يومٍ             تقارعه  الصبابة  والنحيبُ

لقد جلب  البلاءَ عليّ  قلبي             فقلبي مذ علمتُ  له جَلوب

وإن تكن القلوبُ كمثلِ قلبي              فلا كانتْ  إذاً  تلك  القلوبُ

جلب الشيء: ساقه من موضع لآخر، والجَلوب جمع جَلَبة وهي الصوت أو اختلاط الأصوات، والمقصود اضطراب دقات القلب وخفقانه.

 

  

Go to top