مر المجنون برجلين قد صادا ظبية وربطاها، فعزَم عليهما أن يطلقاها بشاة من غنمه ثم أنشد:

 

شَرَيتُ بِشاتي شِبهَ لَيلى وَلَو أَبوا        لأعطَيتُ مِن مالي طَريفي وَتالِدي

فَيا  بائِعيْ   شِبهاً   لِلَيلى  قُتِلتُما       وَجُنِّبتُما مــا  نالَهُ  كُلُّ  عـابِدِ

فلَو  كُنتُما  حُرَّينِ  ما  بِعتُما مَعاً       شَبيهاً   لِلَيلى  بَيــعَةَ  المُتَزايِدِ

وأَعتَقتُماها   رَغبَةً   في  ثَوابِها         وَلَم تَرغَبا  في ناقِصٍ  غَيرِ  زائِد

فَلا   ظَفِرَت  كَفّاكُما    بِكَـريمَةٍ          وَجُنِّبتُما  صَوبَ  الغَمامِ  الرَواعِدِ

الطريف من المال: المستحدث والتليد خلافه.

 وقيل إن الرجلين أخوه وابن عمه، وإنه أنشدهما متعرضاً لبخلهما:

 يا صاحِبَيَّ  اللَذَينِ  اليَومَ  قَد أَخَذا       في الحَبلِ شِبهاً لِلَيلى ثُمَّ  غَلاّها

إِنّي أَرى اليَومَ في أَعطافِ  شاتِكُما       مُشابِهاً  أَشبَهَت  لَيلى   فَحُلاّها

وَأَرشِداها  إِلى    خَضراءَ   مُعشِبَةٍ       يَوماً   وَإِن  طَلَبَت  إِلفاً  فَدُلاّها

وَأَورِداها    غَديراً   لا   عَــدِمتُكُما       مِن ماءِ مُزنٍ قَريبٍ عِندَ مَرعاها

المزن: السحاب.

 وقيل إنه فداها بقَلوص، ولما ذهبت تعدو أنشد:

 أَيا شِبهَ  لَيـلى لا   تُراعي  فَإِنَّني         لَكِ اليَومَ مِن بَينِ الوُحوشِ  صَديقُ

وَيا شِبهَ  لَيلى أَقصِرِ الخَطو إِنَّني         بِقُربِكَ  إِن   ســاعَفتِني   لَخَليقُ

وَيا  شِبهَ  لَيلى   رُدَّ  قَلبي  فَإِنَّهُ          لــهُ  خَفَقــانٌ   دائِمٌ   وَبُروقُ

وَيا شِبهَها أَذكَرتَ مَن لَيسَ ناسِياً          وَأَشــعَلتَ  نيراناً   لَهُنَّ   حَريقُ

وَيا شِبهَ  لَيلى  لَو  تَلَبَّثتَ  ساعَةً         لَعَلَّ  فُؤادي  مــِن   جَواهُ  يُفيقُ

وَيا شِبهَ لَيلى  لَن  تَزالَ   بِرَوضَةٍ         عَلَيكَ   سَحــابٌ   دائِمٌ   وبُروقُ

فَما أَنَا  إِذ أَشبَهتَها  ثُمَّ  لَم  تَؤُبْ         سَليماً عَلَيــها  في الحَياةِ  شَفيقُ

عُتِقتِ  فَأَدّي  شُكرَ  لَيلى   بِنِعمَةٍ        فَأَنتِ  لِلَيـلى  إِن  شَكَرتِ   طَليقُ

فَعَيناكِ  عَيناها   وَجيدُكِ   جيدُها         سِوى أَنَّ عَظمَ  الساقِ  مِنكِ  دَقيقُ

 وذكر الوالبي (3) أن المجنون مر أيضاً بقانصَين قد قنصا خِشفاً (ولد الظبي) وعقلاه، فدنا منهما وتأمل الظبي، ثم أرسل عينيه بالبكاء وهو يقول:

 وذكَّرني  من لا   أبـوح   بذكره           محاجرُ خِشفٍ  في  حبائلِ   قانصِ

فقلت ودمع العين يجري  بحرقة           ولحظي إلى عينيه  لحظةُ  شاخصِ

ألا أيُّهذا  القانصُ  الخِشفَ خَلِّهِ          وإن  كنتَ  تأباه  فخذ  بقلائـصي

خَفِ الله،  لا تقتله   إنَّ  شبيهه         حياتي  وقد أرعدتَ  مني  فراصي

فما برح حتى اشتراه وخلّى سبيله.

 وروى الوالبي في ديوان قيس بن الملوح (3)، ما ملخصه:

روي أن الشاعر كثيّر بن عبد الرحمن دخل على عبد الملك بن مروان فقال: يا كثير هل رأيت أعشقَ منك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، وذكر أنه رأى المجنون قيس بن الملوح ينصب شركاً للظباء فاقتنص ظبيةً قبض على قرنها وأقبل ينظر في محاسنها ويقول:

أيا شبه ليلى لا تُراعي فإنني            لك اليوم مِن بين الوحوش صديقُ

ثم أطلقها وجعل ينظر في أثرها ويقول: 

أقول وقد أطلقتها من وثاقها            فأنت لليلى إن شكرتِ عــتيقُ

فعيناك عيناها وجيدك جيدها            سوى أن عظم الساق منكِ دقيقُ

وكادت بلاد الله  يا  أم مالك             بما رَحبت منكم عــليَّ تضيقُ

ثم وقفت يا أمير المؤمنين ساعة، فإذ علقت أخرى فصنع بها ما صنع بالأولى ثم أطلقها وأنشأ يقول:

ألا يا شِبهَ ليلى لا تُراعي                ولا  تَنسلَّ  عن  وَردِ التلاعِ

لقد  أشبَهتَها  إلا  خِلالاً               نُشوزَ القَرنِ أو خَمشَ الكُراعِ

التلاع: الأراضي المرتفعة.

الخلال: الخصال، مفردها خُلّة.

النشوز: الارتفاع، نشز القرن: طال وارتفع.

الخمش: الخدش.

الكراع: مستدق الساق ما دون الكعب. 

فعجبت يا أمير المؤمنين من صنعه، فما كان إلا هنيهة حتى علقت أخرى فأطلقها وجعل يبكي ويقول:

تَروَّحْ سالماً يا شبهَ ليلى        قَريرَ العينِ واستِطبِ البُقولا

فليلى أنقذتكَ  من المنايا        وفكَّت  من قوائِمك  الكُبولا 

فقال عبد الملك بن مروان فأين أنت من قولك حيث تقول:

أيا عَزّ لو أشكو الذي قد أصابني       إلى ميت في قبره لبكا  ليا

قال: أشعر مني يا أمير المؤمنين الذي يقول:

إن الظباء التي في الدور تُعجبني        تلك الظباء التي لا تأكل الشجرا

لهنَّ أعناق  غــزلانٍ  وأعينُها    وهنَّ أحسنُ مِنْ أبدانها  صُورا

ولي فؤادٌ  يكاد الشوق  يصدَعه        إذا  تذكر  من  مكبوته  الذّكرا

كانت كدُرّةِ بحرٍ غاص غائصها          فأسلمتها  يداه  بعدمـا   قدرا 

ويقول:

إذا نظرتْ عرفتَ الجيد منها             وعينيها  ولم تعرف سواها

كرهنا   أن  نفزِّعها   فقلنا              أشَلَّ الله  كفَّي  من  رماها

قال: ويحك عساه المجنون؟ قال: نعم.

 

Go to top