كلمة الدكتور حجر أحمد البنعلي وزير الصحة في افتتاح مؤتمر الكلى والسكري 20-2-2004

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الضيوفُ الكرام

أيها الزملاءُ وأعضاءَ الجمعية القطرية للسكري

أيها السيدات والسادة

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يسرني أن أحييكم وأحيي الجمعية القطرية للسكري على نشاطها التعليمي والخيري، فهي جمعية أهلية تضم الأطباء وغيرَ الأطباءِ من المتبرعين بأوقاتهم وجهودهم لمساعدة مرضى السكري فجزاهم الله خيراً.

وإنه ليسعدني أن أشارك أعضاء الجمعية في نشاطها الليلةَ وأن أوجه حديثي لا لزملائي الأطباء المختصين بمرض السكري لأنهم أعلم مني في مجال تخصصهم، ولكن أوجه حديثي للمستمعين من غيرهم تحقيقاً لأهداف وزارة الصحة في نشر الوعي الصحي. والواقع أننا أطباء القلب نشترك مع أطباء السكري في اهتمامنا بتأثير السكري في الشرايين ومنها شرايين القلب. فالسكري والتدخين والسمنة وقلة الحركة وارتفاع ضغط الدم من المسببات الخطرة لتصلب شرايين القلب التاجية. لذلك فإنها تحتم على طبيب القلب الاهتمام بها ودراستها بتعمق لخطورتها على القلب.

 

ولقد رأيت أن أبدأَ في حفل افتتاحِ مؤتمركم هذا عن السكري وأمراض الكُلى ببعض الحقائق عن مرض السكري:

  1. مرضُ السكري مرضٌ قديم عرفه الإنسان منذُ قرون عديدة.
  2.  المريضُ المصابُ بالنوع الأول من السكري لا ينتج الأنسولينَ، أما المصاب بالنوع الثاني فإنه إما لا ينتج ما يكفي من الأنسولين أو ينتج أنسوليناً لا يؤدي عمله بصورة صحيحة، فلا يستطيع الجسم استهلاكه لهضم المواد السكرية.
  3. 90% من مرضى السكري مصابون بالنوع الثاني، الذي غالباً ما يبدأ تدريجياً بعد الأربعين من العمر. وللوراثةِ والبيئةِ تأثيراتٌ في ظهور ذلك المرضِ. فهو غالباً ما يصيب فرداً قليل النشاطِ، أو مصاباً بالسمنة. وقد يكون مرض السكري منتشراً في عائلته.
  4. نسبةُ المصابين بالسكري زادت خلال السنوات الأخيرة في جميع مناطق العالم، وذلك لتغييرٍ طرأ على نمطِ الحياة وازدياد نسبة السمنة وقلة الحركة والنشاط.
  5. نسبةُ الإصابة بالسكري في منطقة الخليج أعلى من نسبة الإصابة به في مناطق العالم الأخرى. ففي أوربا نسبة الإصابة بالسكري في السكان حوالي 8 – 10 % أما في منطقة الخليج فنسبة الإصابةِ به حوالي 20% من عامة السكان.
  6. أهمُّ مضاعفات السكري مرضُ الشرايين الفرعية التي تغذي الأعضاء الحيوية كالقلب والمخ والكُلية والعين.
  7. 41% من مرضى الفشل الكُلوي في قطر مصابون بالسكري.
  8. في قسمي، قسم القلب بمؤسسة حمد الطبية، سجلٌ دقيق لجميعِ مرضى القلبِ الذين أدخلوا المستشفى منذ عام 1991م مخزّنٌ في الحاسب الآلي. لقد قارنت الأسبوعَ الماضيَ الأرقام الخاصة بالسكري في سجلاتنا خلال اثنتي عشرة سنة فوجدت ما يلي:

 

    1. عددُ مرضى القلب حتى الأسبوع الماضي قد بلغ 22.244 مريضاً.
    2. نسبةُ المصابين بالسكري من مرضى القلب المترددين على مؤسسة حمد الطبية ارتفع ارتفاعاً رهيباً خلال الاثنتي عشرة سنة (12) الماضية. فلقد ارتفعت نسبة الإصابة بالسكري في مرضى القلب غيرِ القطريين من 21% سنة 1991 إلى 37% سنة 2003 أما النسبة في مرضى القلب القطريين فارتفعت من 40% إلى 61% خلال تلك الفترة.

 

كانت الفكرة السائدة عند الناس أن مرضَ السكري بَلاءٌ لا نستطيع أن نكافحه أو أن نتجنبَ مضاعفاتِه وأضرارَه ولكن التجاربَ العلمية والتطورَ الطبي أثبتا أن تلك الفكرةَ ليست صائبةً. فاتِّباع نمطٍ صحي للحياة، كممارسة الرياضة وتجنب السمنة والابتعاد عن التدخين ودخان المدخنين يؤخر الإصابة بالسكري ويقلل المضاعفاتِ بعد الإصابة به.

فما هي العلاقة بين السمنة والسكري؟

 

كان العرب قديماً يعتبرون السمانة شيئاً مرغوباً وخاصة في النساء. ولقد ورد في كتب الأدب أن محمد بن سيرين قال: ما رأيت على امرأة أجملَ من شحم، ولا رأيت على رجل أجملَ من فصاحة. أما الآن فقد أثبت الطبُّ أن السمانة خطر على الصحة ولكنها، مع الأسف تزداد انتشاراً.

 

لقد ارتفعت نسبة السمنة أو زيادة الوزن بين الناس، ليس عندنا فحسب ولكن عالمياً، وليس عندنا إحصاءٌ دقيق عن ذلك في قطر أما ففي الولايات المتحدة فقد بلغت السمنة 60% من السكان. كما أن نسبةَ الإصابة بالسكري تزداد عالمياً أيضاً. فهل ارتفاعُهما أي السمنة والسكري معاً صدفةٌ؟.. لا بل إن السمنةَ من مسببات السكري.

فالعواملُ الوراثيةُ وقلةُ النشاطِ والإفراطُ في الطعامِ ونمطُ الحياةِ غيرُ الصحي من العوامل المساعدة على تكوين السمنة.

والسمنة - وخاصة ضخامة الكرشة - وما يصاحبها من ازدياد الشحوم في الجسم تَحد من قُدرة الجسمِ على استهلاك الأنسولينِ بصورة طبيعية فترتفع نسبته في الدم وهو أنسلين لا يستطيع الجسم الاستفادة منه بصورة طبيعية فتكون نتيجة ذلك الإصابةَ بالسكري من النوع الثاني. فارتفاع نسبة السكر في الدم يتلف جدران الشرايين فتترسب وتتراكم فيها المواد الدهنية.  فالسمنة تسبب مقاومة لعمل الأنسولين في الجسم، لذلك غالباً ما يرافق السمنة مرضُ السكري وكذلك ارتفاعُ ضغط الدم وزيادة الكولسترول وكلها عواملُ خطورة على الشرايين عامة وشرايين القلب خاصة. كما أن ارتفاعَ نسبةِ الأنسولينِ الذي لا يستهلك يسبب في حد ذاته ارتفاعَ ضغط الدم والكولسترول أيضاً.

 

أما العلاقة بين التدخين والسكري فهي أيضاً ثابتة.

لقد أثبتت عدةُ دراسات أن التدخينَ يسبب مرضَ السكري من النوع الثاني.

وأثبتت دراسات عديدة بما لا يدعو للشك أن التدخين يزيد مخاطر السكري على الصحة ويسبب وفيات مبكرة بنسبة أعلى بين المدخنين مقارنة بغير المدخنين. كما أن اجتماع التدخين والسكري معاً يتلف الشرايين الكبيرة والشرايين الفرعية الصغيرة التي لا ترى إلا بالمجهر.

 

وللتدخين تأثيرات متفاوتة على الناس حسب الجنس والوراثة. ففي دراسة ضخمة استغرقت 12 سنة في الولايات المتحدة الأمريكية على ما يقرب من 700.000 شخص، وجد أن تدخين أكثر من علبتين في اليوم يعرض حوالي نصف الرجال (45%) وثلاثة أرباع النساء (74 %) للإصابة بالسكري مقارنة بغير المدخنين. كما وجد أن الإقلاع عن التدخين يخفض خطورة الإصابة بالسكري إلى درجة مشابهة لغير المدخنين بعد 5 سنوات في النساء و10 سنوات في الرجال (1).


ودراسة أخرى في اليابان على 2.312 شخصاً أثبتت أن الذي يدخن أكثر من 16 سيجارة في اليوم معرض للإصابة بالسكري (النوع الثاني) أكثر من ثلاثة أضعاف (3.27) غير المدخن خلال 8 سنوات (2).

 وفي دراسة على النساء من الممرضات المصابات بالسكري في الولايات المتحدة، وجد أن وفيات المدخنات -بين سيجارة و14 سيجارة في اليوم - حوالي مرة ونصف (1.43) أكثر من وفيات غير المدخنات خلال 20 سنة من المتابعة، والمدخنات لـ 35 سيجارة أو أكثر تكون وفاتهن أكثر من ضعف (2.19) وفيات غير المدخنات. أي أن خطورة السيجارة تزداد مع ازدياد عدد السجاير المدخنة في اليوم (3).

والتدخين يسبب مضاعفات عديدة لمريض السكري. فأمراض القلب والكُلية والعيون والأعصاب أكثر شيوعاً في مرضى السكري المدخنين منهم في غير المدخنين.

 

وفكرةٌ خاطئة أخرى عند الناس أن التدخين يضر القلب ولا يضر الكُليةَ: وهذا غير صحيح.

فلقد قرأت قبل أيامٍ بحثا نُشر في مجلة Kidney International(4) السنة الماضية عن أضرار التدخين على الكُلية، يؤكد أن التدخينَ يُتلف الكُليةَ، وأن المصاب بالفشل الكُلوي معرضٌ لمضاعفاتٍ قاتلة إذا استمر في التدخين. كما أن المريض الذي زُرعت كليةٌ له، معرضٌ لفشل الكُليةِ المزروعة والإصابة بمرض القلب أو جلطة المخ أو السرطان بنسبة أعلى من غير المدخنين. فالإقلاع عن التدخين يقلل الأخطار الصحية على مريض الفشل الكُلوي. فإذا أراد الإنسانُ الصحةَ والنجاة من المضاعفات القاتلة فلا بد أن يسارع إلى الإقلاع عن التدخين. وأقول كما قال البحتري:

 

ترجو النجاة ولم تَسلُك مسالكَها       إن السفينةَ لا تجري على اليبسِ

 

فالتدخين مثل السمنة يسبب مقاومة للأنسولين ولكن بطريقة مختلفة. فالتدخين يسبب ارتفاع نسبة هرمونات الكتاكول أمين التي تعمل بصورة مضادة لعمل الأنسولين. ويشكل التدخين خطورةً مستقلةً في حد ذاتها على المريض المصاب بالسكري، كما أنه يزيد مضاعفات المرض سوءاً. ولا تظهر فوائد الإقلاع عن التدخين على مريض السكري إلا بمرور خمس سنوات على الإقلاع عنه، وتزول خطورته بعد حوالي20 سنة من الإقلاع.

وأخيراً لا بد لي أن أكررَ أن أهمَّ وأغلب مضاعفاتِ التدخين ومرضِ السكري ناتجةٌ عن كونهما مسببين لتصلب الشرايين. فإذا اجتمع التدخين والسكري معاً فعلى الصحة السلام. لأن كلَّ أعضاء الجسم تعتمدُ على الشرايين لتزويدها بالغذاء والأكسجين. فمرضُ شرايين أيِ عضوٍ في الجسم قد يُتلف ذلك العضوَ. لذلك فليس من المستغربِ طبياً أن يصابَ مريضُ السكري المدخنُ بأمراض عُضالٍ كأمراض القلب والكُلية والمخ والأطراف في سن مبكرة.

فالامتناع عن التدخين وقايةٌ، والوقايةُ خيرٌ من العلاج.

والسيجارة أفعى سامةٌ تقتلُ من يتناولُها، والعاقلُ من قطع رأسَ تلك الأفعى قبل أن تفتك به، وكما قال أبو أذينة:

 

لا تقطعنْ ذنبَ الأفعى وتُرسِلَها           إن كنت شهماً فأتبعْ رأسَها الذنبا

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

المراجع:

1. Journal of Epidemiology 2001;30:540-546

2. Am J Epidemiol. 1997 Jan 15;145(2):103-9

3. Diabetes Care. 2001 Dec;24(12):2043-8.   

4. Kidney International, 63; (2003) 1462-1467

Go to top