كلمة د. حجر أحمد البنعلي وزير الصحة في حفل افتتاح مؤتمر الأعصاب في الدوحة مساء 24/2/2004

بسم الله الرحمن الرحيم

الضيوف الكرام

زملائي الأطباء

أيها السيدات والسادة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يَطيبُ لي أن أحييكم وأتحدث إليكم مبتعداً عن المصطلحات الطبية التي ينفر منها الناسُ وتمجها الحواس. فتخصصكم هذا زاخر بالمصطلحاتِ الثقيلة على الأذن والتي وردت في جدولكم مثل  Plasticity, plexopathyMultiple sclerosis 

وحديثي اليومَ مساهمةٌ مني بذكر ما يهم الجمهور بعيداً عن تلك المصطلحات. أواصل ما بدأته الأسبوع الماضي في حفل افتتاح مؤتمر السكري حيث تحدثت عن عَلاقة مسببات أمراض القلب بمسببات السكري ومضاعفاته.

فالعواملُ التي تسببُ خطورةً على شرايين القلب وتؤدي إلى الجلطة القلبية مثلُ ارتفاع ضغط الدم والتدخين والسكري والسمنة وقلةُ النشاط هي نفسُ العواملِ التي تشكل خطورةً على الشرايين التي تغذي الدماغ وتؤدي إلى الجلطة الدماغية. لأن الجلطةَ الدماغية غالباً ما تَنتج عن انسداد شريان رئيسي يغذي الدماغ. وجلطاتُ الدماغ الناتجةُ عن انسداد الشريان أكثرُ أنواعِ جلطات الدماغ، أما النزيف فهو نوع آخر من جلطات الدماغ، ولكنه أقلُّ شيوعاً.

لقد أثبتت الدراسات الطبيةُ:

- أن معالجةَ ارتفاعِ ضغط الدم يقلل خطورة الإصابة بالجلطة الدماغية 36-42%.

- والإقلاع عن التدخين يخفض الخطورة بعد 2-5 سنوات بنسبة 30-40%، مقارنة بالمدخنين.

-كما أن النشاط الرياضي يقلل الخطورة 30%.

فارتفاع ضغط الدم يَزيد خطورةَ الإصابة بالجلطة الدماغية 12 (اثنتي عشْرةَ) مرة. فمعالجة ارتفاع ضغط الدم حتى في كبار السن تخفض نسبةَ الإصابة بالجلطة الدماغية فوق الـ40% لأن ارتفاعَ ضغطِ الدم مسببٌ لـ 70% من جلطات الدماغ، فهو يسبب تصلبُ الشرايينِ عامة وشرايينِ القلب خاصة. كما أن تصلب شرايين القلب قد يؤدي إلى الجلطة القلبية. ومن مضاعفات الجلطة القلبية الجلطة الدماغية. فكم رأيت مريضاً أدخل لعلاج جلطة قلبية في وحدة إنعاش القلب أصيب بجلطة في الدماغ نتيجة لضخ القلب دماً متخثراً داخله إلى الدماغ. وقد يُصابَ مريضُ جلطة القلب بنزيف في الدماغ نتيجة لأدوية ضرورية حُقنَ بها لتذويب التجلط في شريان القلب. ولا يُعتبرُ ذلك خطأٌ طبيٌ لأن ذلك العلاجَ ضروريٌ لإنقاذ قلبِ المريض.

والتدخين مسبب رئيسي للجلطة الدماغية أيضاً. فالتدخين يَزيدُ نسبةَ الفيبرونجين في الدم والتصاقَ الصفائح الدموية ويقلل الكولسترول الحميد ويزيد تركيز الدم وكرات الدم الحمراء، ويُتلف جدرانَ الشرايين، ويسبب تصلُّبَها، كما يرفع ضغط الدم أثناء التدخين الذي قد يقود إلى انفجار في الشرايين.

والسكريُ يَزيد خطورة الإصابة بالجلطة الدماغية، كما أن الخطورةَ تزداد بازدياد نسبة السكر في الدم.

أما السمنةُ فغالباً ما يرافقها ارتفاعٌ في ضغط الدم والكلوسترول والسكر. وتشكل السمنة خطورةً للإصابة بالجلطةالدماغية بنسبة 15-25%. كما أن السمانةَ في حد ذاتها تسبب أمراضاً أخرى تزيد خطورة الإصابة بالجلطة مثل السكري وارتفاعِ ضغط الدم وأمراض القلب.

الرياضة:

أما النشاط الجسمي فكلما قلَّ زادت خطورةُ الإصابة بالجلطة الدماغية، حيث إن للرياضة فوائدَ صحيةً ووقائيةً عديدةً مثلَ:

- تقليلِ التصاق الصفائح الدموية

- زيادةِ القدرةِ على استهلاك الأنسولين

- تقليلِ الوزن

- زيادةِ معدل الكلسترول الحميد،

 - خفضِ ضغطَ الدم.

السمك:

 ومن حسن حظِّنا نحن الخليجيين أننا تأثرنا ببيئتنا البحريةِ، فتوارثنا حبَّ أكل السمك، وهو غذاء صحي أثبته الطب الحديث. فلقد أثبتت دراسة يابانيةٌ حديثة أنه كلما زاد استهلاك السمك قلت الإصابات بالجلطة الدماغية. وزيتُ السمك قد يُفيدُ لأنه:

-     يقللُ التصاقَ الصفائح الدموية

-     يزيد سيولةَ الدم فتقل احتمالاتُ التجلط

-     يقلل ارتفاعَ ضغط الدم.

أما حبوب الفيتامينات والمضادات للتأكسد التي شاع استعمالها الآن، فلم يتمَّ إثباتُ فائدتها الوقائية ضد الجلطة. أما أكل الفواكه والخضراوات فهناك أدلة على فائدتها الوقائية ضد الجلطة. فالفيتامينات الطبيعية في الطعام أفضل من الفيتامينات المصنعة.

الجلطة الدماغية:

ومن أهم موضوعات هذا المؤتمر التي ستناقش غداً الجلطةُ الدماغية. فالدماغ لا يتحمل انقطاع الدم إلا دقائقَ قليلةً ويُصيبه التلفُ بعد فترة وجيزة من انقطاع الدم. لذلك فإن نتيجة علاج الجلطة الدماغيةُ مهما نجحت، لا يمكن أن تكون مثلَ تجنبِها بالوقاية من مسبباتها التي ذكرتُها.

وكما عدّدتُ الأسبوعَ الماضيَ في افتتاح مؤتمر السكري الحقائق المهمة عن السكري، أود اليوم أن أذكرَ بعضَ الحقائق المهمةِ عن الدماغ مركز القيادة في الجسم:

1.  الدماغ هو المركز الرئيسي للإحساس، يحس بأي ألم يطرأ في أي مكان في الجسم إلا مكاناً واحداً، وهو الدماغ نفسُه، لأنه لا يحتوي على أعصاب إحساس بالألم.

2.  لا يستطيع الدماغ أن يخزنَ الأكسجين، لذلك يشعرُ الإنسانُ بالدوخة خلال ثوانٍ من هبوط ضغط الدم مثلما يحدث أحياناً عندما يقوم إنسان ويقف بسرعة.

3.  كما لا يستطيع الدماغ أن يخزنَ السكر. لذلك إذا أخذ مريضُ السكري كميةً كبيرةً من الأنسولين، أكبرَ من حاجته، تهبط نسبةُ السكر في الدم هبوطاً شديداً، فيغمى على المريض، وقد يتلف الدماغ إذا لم يُنقذ المريض بحقن سكر الجلوكوز في وريده.

4.   والموت المفاجئ غالباً ما يكون بسبب القلب لا الدماغ. وقد يصاب الإنسان باختلال دقات القلب أو بطئها الشديد أو توقف القلب نهائياً بسبب مرضٍ أصابَ القلبَ كالجلطة القلبية، أو بسبب دواء أو مخدرات، فيُحرمُ الدماغُ من السكر والأكسجين فيموت.

5.   فإذا عجز القلبُ أو تعذر ضخ الدم للدماغ في فترة وجيزة لا تزيد عن 6 دقائقَ يَتلَفُ الدماغ ويصابُ الإنسانُ بالموت الدماغي. وتلف الدماغ تلف مؤبد بطبيعته لا يمكن الشفاء منه بالوسائل الطبية المتوافرة حتى اليوم، وقد ينجح علمُ استنساخ الخلايا البشرية في استنساخ خلايا جديدة للدماغ في المستقبل، فتحل هذه المعضلة. وهناك معارضة قويةٌ ووجيهة من أغلب الأطباء لاستنساخ إنسان، ولكن ليست هناك معارضةٌ قوية لاستنساخ خلايا مأخوذةٍ من الشخص نفسه لعلاج مرض يعانيه.

نعود الآن لموضوع الجلطة الدماغية التي ستناقش غداً. فالجلطة الدماغية كما ذكرت قبل قليل غالباً ما تنتج عن انسدادِ شريانٍ رئيسي يغذي الدماغ.

الفالج:

فالجلطة الدماغية وما يصاحبها من شلل نصفي كانت تعرف عند العرب بالفالج. ففي لسان العرب: الفالِجُ: رِيحٌ يأْخذ الإِنسان فيذهب بشقِّه، وفي حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "الفَالِجُ داءُ الأَنبياءِ". وفي تاج العروس من جواهر القاموس ذُكر أن التَّدْمُريّ (قبل 600 سنة) قال في شرح الفصيح: الفالِج: داءٌ يُصيب الإِنسانَ عند امتلاءِ بُطُون الدَّماغ من بعضِ الرُّطوبات، فيَبْطُل منه الحِسُّ وحَركاتُ الأَعضاءِ (المستطرف). فلقد عرف العرب إذن أن الشلل ناتج عن إصابة في الدماغ.

وفي كتب الطب العربي القديم شروح للفالج. وقال الطبيب العربي ابن النفيس: الفالج استرخاءُ أيِّ عضو كان، وفي المصطلح الطبي استرخاء شِقٍ من البدن طولاَ (الموجز في الطب ص 147). وقال الرازي في كتاب الحاوي "أنَ الدماغ في جميع بطونه مثنى وإذا استرخى أحد شقي الجسد فالآفة في ذلك الشق من الدماغ. (الحاوي في الطب المجلد الأول –دار الكتب العلمية الطبعة الأولى ص 10).

وعن عبد الرحمن بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: داء الأنبياء الفالج واللقوة. ويقول الثعالبي في فقه اللغة : اللَّقْوَةُ أَنْ يَتَعَوَّجَ وَجْهُهُ ولا يَقْدِرَ على تَغْمِيضِ إحْدَى عَيْنَيْه ، وفي لسان العرب اللَّقْوة: داء يكون في الوجه يَعْوَجُّ منه الشِّدق. (وقد يكون ذلك جزءاً من الفالج أي الشلل فلم يدركوه).

قال الجاحظ ومن المفاليج سيدنا إدريس عليه الصلاة والسلام. (المستطرف)

 

ومن اهتماماتي الشخصية كما يعرف بعض الزملاءِ البحثُ الطبي والأدبي في أمراض الشعراء وكبار الأدباء وعللهم. فالجاحظ نفسُه يستحق أن يبحث في أمر أمراضه.

 

الجاحظ: هو أبو عثمان عمرو بن بحر، أشهر من أصيب بالجلطة الدماغية من الأدباء. فقد أصيب بالجلطة في الجهة اليمنى من الدماغ وهو يكتب كتابه الشهيرَ "كتابَ الحيوان" فشُلت يدُه اليسرى ورجلُه اليسرى، ولم تتأثر مراكزُ النطق والتفكير والحواس عنده. وأكمل الكتاب وهو مصاب. واعتذرَ الجاحظ للقارئ في الكتاب قائلاً: "وقد صادف هذا الكتابُ مني حالاتٍ تمنعُ من بلوغِ الإرادة فيهِ، أوَّلُ ذلك العِلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طولُ الكتاب .... فإنْ وجَدْتَ فيه خللاً - فلا تُنكِرْ، بعدَ أنْ صوَّرتُ عندك حالي التي ابتدأتُ عليها كتابي.

ولما سُئل عن حاله قال: "أنا من جانبي الأيسر مفلوجٌ ولو قرض بالمقارض ما علمتُ، ومن جانبي الأيمن مُنَقْرسٌ، لو مرت به الذباب لتألمتُ. وكان يكرر الشكوى من مرضه وقال لعواده مرة: "ما تقولون في رجلٍ له شقان، أحدهما لو غرز بالمَسالّ (جمع مِسلّة وهي المخيط الكبيرة) ما أحس، والشِّق الآخرُ يمر به الذباب فيغوّث".

وكان الجاحظ يَطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته. وكان يكرر: "كيف يكون من نصفه مفلوجٌ لو نشر بالمناشير ما أحس، ونصفه الآخر مُنَقٌرَسٌ لو طار الذباب بقربه لآلمَه.

 

وطلبه مرة الخليفة المتوكل ليحمل إليه وهو في تلك الحال فقال:

"وما يصنع أميرُ المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل ولعاب سائل... وعقل زائل ولون حائل". كان يشتكي أيضا من حصوة في الكُلية.

وعاش الجاحظ 8 سنوات بعد الإصابة بالفالج وقد شارف المئة عند وفاته سنة 255 هـ.

والمشهور عن وفاة الجاحظ، أنه كان في مكتبته يطالع بعض الكتب ووطأة الفالج مشتدة عليه، فانهال فوقه قسم من مكتبته، فقضى نحبَه تحت كتبه، فمات شهيداً للمعرفة والبحث العلمي، واختتمت بذلك حياة رجل شاء القدر أن يكون موتُه طريفاً كما كان طريفاً في حياته. وكان الجاحظ قطباً من أقطاب الظرف والفكاهة والأدب الرفيع. ورثاه شاعر قائلاً:

ولقد رأيت الظرفَ دهراً           ما  حـواهُ  اللافــظُ

حتى  أقـــامَ  طريقَه          عمرو بن بحرِ الجاحظُ

ثم انقضى  أمدٌ  بــه           وهو الرئيـسُ الفائظُ

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Go to top