بسم الله الرحمن الرحيم

أصحابَ السعادة، أصحابَ الفضيلة

الأخوةُ الكرام

السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه

..........

لن أتحدثَ هنا عن علمِ الوالدِ أو مؤلفاتِه لأني لست الشخصَ المناسبَ لذلك، ولكني سأحدثكم عن عن ذكرياتي مع الوالد وبالأخص عن موضوعين عالقين بذاكرتي منذ الصغر وهما خطبُ الوالد وعلاقتُه بالكتب:

خطب الوالد في أيام الجمعة:

فمنذ الطفولة كنت أذهبُ يومَ الجمعة إلى المسجد الذي يخطبُ فيه الوالد. فشخصيته كخطيبٍ علِقت في ذهني فكررت ذكرَها في قصائدي عنه. فقلت عنه في رأس الخيمة: 

 فصارَ خطيباً في المساجدِ واعِظاً

   

يَحُثُّ على المعروفِ يَنهى عن الجَهل

وعيَّنَه  السُّلطانُ   للـدَّارِ  قاضياً 

قَضى   بكتابِ  اللهِ   والحقِّ   والعَدلِ

 

وعنه في قطر قلت: 

قَضى اللهُ  أن  يأتيْ عُبوراً  بدوحةٍ    

فعُينَ   فيها   للشــريعةِ  والعَــدلِ

 وقامَ  خطيباً  في  المساجدِ داعـياً

 

إلى  مِلَّةِ  الأسلافِ   أو سنَّةِ  الـرُّسلِ

 فلا عَجبٌ  أن يُدرِكَ الشَّيخُ راحـةً

 

بدارِ  التُّقى،  ماعاشَ  فيها  أبو  جهلِ

 فما  قطرٌ   يوماً   بدارٍ لـــرِدَّةٍ

 

ولا بِدَعٍ  في الشَّمسِ  يوماً  ولا  الظِّلِّ

  فقرَّ  بها  عَيناً  وذَاقَ  بها كـرًى

  

فأنعمْ  بها  داراً   وبالجودِ  في  الأهلِ!

 فما   قطرٌ  إلا   فُؤادُ خلـيـجِـنا

 

هي القَطرُ  من سُحبٍ ومن  ديَمِ  الوَبْلِ

 

أذكر وأنا في السادسة أو السابعة من العمر في رأس الخيمة أي حوالي سنة 1950 أن الوالدَ كان يَنهى ويكرر النهي في خطب الجمعة عن البدع والممارسات الاجتماعية المخالفة للشرع وكان يركز على مواضيعَ شائعةٍ آنذاك:

 

كتحريمه بيعَ وشراءَ العبيد: فقد كان الكثير من الناس يملك عبيداً آنذاك إلا الوالد مع أنه كان يملك سنبوكاً كبيراً. ولم يكن يتجرأ الخطباء على ذكر هذا الموضوع. أما الوالد فقد كان يقول على المنبر صراحةً إن امتلاكَ العبيدِ في الخليج لا يُقِرُّه الشرعُ، وهو حرامٌ، لأنهم ولدتهم أمهاتُهم أحراراً، وسُرقوا من ديارهم واستُعبِدوا بدون حق. ودعا كلَّ من يخافُ اللهَ أن يُعتق عبدَه. واستجاب لدعوته تلميذُه سيف بن سعيد بن غباش الذي أحضر أمته الوحيدة التي ورِثَها من أبيه إلى مجلسِ الوالد وأعتقها لوجهِ الله أمامه.

 

ومن الموضوعات التي ركز عليها وأتعاطف معها أنا الآن:

التدخين: أذكر بوضوحٍ أنه كان يردد دائماً في الخطبة الثانية من خطبة الجمعة، أن التدخينَ حرامٌ ويجب تجنبُهُ. إلى درجةِ أنه لما أمر المؤذنَ بإقامة الصلاة مرةً بعد الخطبة بدونِ أن  يذكر التحذيرَ المعتاد قام أحدُ المصلين من كبار السن وقال: "نسيت التمباك يا شيخ"، ظانا أن ذلك من أركان خطبة الجمعة.

 

وخيرُ دليلٍ على أنه حرم التدخين منذ زمن مبكر قصيدته ( اللآلئ السنية) التي كتبها سنة 1950م وفيها 177 بيتاً من النصائح والحكم والإرشادات، ذم فيها التدخين في أربعة أبيات، وأفتى بأنه حرام حيث قال:

 

ودَعِ  التنباكَ  واهجرْ شُـربَهُ

  

  حُرّمَ البيعُ به مثلَ  الشِـرا

فيه إسـرافٌ  وتبذيرٌ  جلـيْ

 

  خَدَّرَ الأعضا وعقلاً  أسكرا

ضرّرَ الأجسـامَ أفنى الدرهمَا

 

  يُورثُ السلَّ ويَعمي البصرا

فَمُ أهليهِ يحاكـي  كُنُفـــاً

 

  حسبُهمْ قبحاً  ألا   فانزَجِرا

 

ولست أدري كيف عرف الوالد تسبب التدخين في السل والعمى قبل أكثر من نصف قرن، لأن ذلك لم يعرف طبياً آنذاك، وحتى اليوم لا يعرف أغلبُ الأطباء تلك الحقائق. فقد أثبت البحوث الطبية حديثاً فقط أن التدخينَ يُضعف حصانةَ الجسم ضد السلِّ والأمراض الأخرى, كما يُضعف العصبَ البصري للعين.

الوالد والكتب:

أما علاقة والدي بالكتب فإني شاهدٌ عليها، كما شاهدت هي ولادتي وشَهِدت عليها. فلم تكن وِلادتي في غرفةٍ معقمة في مستشفى كما هو الحال اليوم، ولكن ولدت في غرفة محاطة برفوف الكتب، كانت تلك غرفةَ نوم والديَّ. ولقد نشأت صغيراً معهما في تلك الغرفة أرى الكتبَ عندما آوي إلى فراشي وأراها عند ما أستيقظُ من النوم. ومن النادرِ جداً آنذاك أن ينامَ الطفلُ في غرفةٍ منفصلة وحدَه، حيثُ الظلامِ الدامس قبل وصول الكهرباء للمنازلِ في رأس الخيمة.

والطريف أنه لما تمت ولادتي ذهبت المولِّدةُ إلى شباك مجلس الوالد حيث كان يقرأ، وبشرته بأن المولودَ ذكرٌ، فكافأها وأخذ قلمه وكتب على حاشية الصفحة التي كان يقرأ فيها "ولد حجر في يوم كذا وكذا". ولكنه نسيَ أي كتاب كان يقرأ في ذلك اليوم. وقد قال لي مرةً في مكتبته مازحاً "إنَّ تاريخَ وساعةَ ميلادِك في صفحة من صفحات أحدِِ هذه الكتب فابحث عنها إن شئت". فكيف لي أن أبحث عن صفحةٍ في كتاب بين آلاف الكتب.

 

وبعد أن تعلمتُ الحروفَ الأبجديةَ في المدرسةِ، كان أولُ كتابٍ لفت انتباهي في الغرفة، لأنه أكبر من الكتب الأخرى على الرف، مكوناً من عشرةِ مجلدات سوداء ضخمة، نجَحت محاولاتي في قراءة عنوانه. كان ذلك الكتاب تاجَ العروس للزبيدي، والمطبوع سنة 1306 هـ الموافق 1888م أي قبل 122 سنة، ولا زالت تلك النسخة موجودة لدينا. ولأن اسم الكتاب تاج العروس كنت أظن أنه عن النساء، وخجلت أن أسأل، فلم أعرف أنه قاموسٌ حتى وقتٍ متأخر.

 

ولما تقدمت في المرحلة الابتدائية أعطاني الوالدُ كتاباً وجلسَ يساعدني في قراءته. فكان ذلك أولَ كتابٍ قرأته خارج المقررات المدرسية من كتب الوالد، بناء على نصيحته. فوجدتُه ممتعاً ومسلياً، مما حبب إلي قراءة الكتب. كان ذلك "كتابَ كليلة ودمنة".

 

قراءة الوالد:

وصورة الوالد وهو يقرأ في غرفته، مطبوعةٌ في ذاكرتي منذ طفولتي في رأس الخيمة، ثم في قطر حتى أقعده المرض. كان الوالد، رحمه الله، يقرأ في غرفته إذا لم يكن في المجلس أو المحكمة. فبعد العودةِ من صلاة الفجرِ يمشي داخل حوش المنزل نصفَ ساعة وهو يسبّح، ثُم يدخل غرفتَه ويقرأ جالساً ما تيسر من القرآن الكريم من حفظِهِ، ثم يأخذ كتابه ويقرأ إلى وقت الإفطار. كما يقرأ بعد صلاة المغرب إلى وقت النوم، فهولا يضع كتابه مساءً إلا للصلاة. والعائلة تحترمُ رغبتَه في الهدوء للقراءة، فلا يدخل عليه أحدٌ وهو يقرأ إلا للضرورة. دخلت عليه مرةً مع الوالدة وهو يقرأ، قبيل أن يصاب بالمرض الأخير، بقصد السلام عليه مساءً، فاقترحت عليه أن يضع الكتاب بين آونة وأخرى للراحة والتحدث مع الأهل. فقال إن في القراءة راحةً، ولكنه اشتكى قائلاً: "لا يأتي من الأهل أحدٌ يزورني في غرفتي بعد صلاة العشاء. حتى أمك ما تزورني". فأجابته الوالدة قائلة: وماذا سيفعل من يزورك يابن الحلال؟ هل يجلس يشاهدك وأنت منهمك في كتابك، لا تعرف إذا الدنيا شرقت أو غربت؟ فضحكت عند سماعي تلك المناقشة وقررت أن لا أتدخلَ في شيء تعودته العائلة من قبل أن أولد. فتلك عادة الوالد. فهو اعتاد أن يقرأ ما لا يقل عن 6 ساعات يومياً حسب تقديري.

 

كان الوالد يكره أن يُعيرَ أحداً كِتاباً من كتبه. ولقد ورِثتَ أنا تلك العادةَ منه. متذكراً بيتين أعجِبتُ بهما عندما قرأتهما في مجلة وأنا في المرحلة الابتدائية، ورسختا في ذاكرتي حتى اليوم، ولا أعرف قائلهما:

 

أيا  مستعيرَ  الكتبِ  مني      فإن إعارتي  للكتبِ  عارُ

فمحبوبي من الدنيا كتابي      فهل أبصرتَ محبوباً يعارُ؟

 

ولقد ذكرت في قصيدتي عن مجلس الوالد القديم في رأس الخيمة (القصيدة...):

 

وتَظهرُ  كُتْبُ  الفِقْهِ  فوقَ رُفوفِها        

لبحثٍ  وإسنادٍ  ومن  وَحْـشَةٍ  تُسْلي

كريمٌ  بما  في  كفِّهِ  مـن دَراهِمٍ

  

 ولكنَّهُ  بالكُتْبِ  مـالَ  إلــى البُخْلِ

 

كان الوالد يميل إلى الفكاهة والمزح مع الأهل والأصدقاء، وأذكر وأنا صغيرٌ في السابعة من العمر مزحةً من مُزاح الوالد أزعجتني: طلب أحدُ أصدقائِه استعارة كتاب منه، قائلاً: "أريد أن آخذَ هذا الكتاب بضعةَ أيام". فأشار الوالد إليَّ قائلاً لصاحبِه وهو يضحك "خذ ابني ولا تأخذ كتابي". سامحه الله كانت مزحة ثقيلة علي آنذاك. أرجو الله لوالدي ولآبائنا جميعاً الرحمة والمغفرة وأن يسكنهم جناته.

وختاماً أود أن أقرأ لكم مقطوعات من قصيدة كتبتها سنة 2003 عنوانها خير الصحاب(القصيدة...).

Go to top