(خطبة تشجيع للسنة الثانية من طلبة الطب في جامعة قطر 22-10-2016)

بسم الله الرحمن الرحيم

الطلبة والطالبات الأعزاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهنئُكم على اختياركم الطب كمهنة المستقبل.

أنا طبيبٌ أفتخرُ بمهنةِ الطب افتخارًا شديدًا، لما تقدمه هذه المهنة للإنسان من فضائل؛ تعالج أمراضَه، وتخفف من آلامِه وتصونُ صحتَه وتساعده على الحياةِ السعيدة.

هذه مهنةٌ لا تفرقُ بين إنسانٍ وإنسان، من حيثُ اللونُ أو الجنسُ أو العقيدةُ أو الطبقةُ الاجتماعية. فمن آدابِ مهنتنا النبيلة هذهِ اعتبارُ صحةِ المريضِ وحياتِه أمانةً مقدسة. فإن كانت أمّتُنا في حالةِ حربٍ مع عدو، فإن الطبيب منا يبذلُ كلَّ جُهد لإنقاذ حياة جريحٍ أو مريضٍ من أعدائنا بنفس الاجتهاد والتفاني في إنقاذ حياة أخيه.

فأولُ مبادئ الطب الذي يضعه كلُّ طبيبٍ بين عينيه هو: "لا تضرّ" أي تسببْ ضررًا.

أيها الأعزاء

لقد مررتُ قبلكم بنفس الطريق الذي ستمرون فيه، في دراسة الطب، لذلك يسرني أن أخبرَكم بما علِقَ في ذاكرتي، أثناءَ عبوري ذلك الطريقَ قبلَكم.

اختياري للطب:

كان والدي قاضيًا شرعيًّا، يحلمُ بأن يخلفَه ابنُهُ في مهنته، ويكونَ قاضيًا شرعيًّا. ولكني قبل أن أبلغَ العاشرةَ من العمرِ، قلت لوالدي: أُريدُ أن أكونَ طبيبًا. فقال رحمه الله: لا بأسَ، العلمُ علمان: علمُ الأديان وعلم ُالأبدان.

مكانة الطبيب:

اتجهت لدراسة الطب لأسباب إنسانية ولم أتجه له لأهداف مالية أو معيشية. ولا شك أن دخلَ الطبيب المالي يؤمّنُ له ولعائلته دخلاً مريحًا، وأمنًا معيشيًّا، في أي بلد أو مكان شاء أن يعمل. فللطبيب مكانةٌ مرموقةٌ، ومحبوبةٌ في قلوب الناس، لما يقدمه للمجتمعِ من خِدْماتٍ جليلةٍ. كما أن الأخلاقَ الحميدةَ والآدابَ الرفيعة السامية لمهنة الطب، تفرض على المجتمع احترام الطبيب وتقديرَهُ.

المعلم:

يتعلم طالبُ الطب من المعلم والزميل والمختبر والكتاب والإنترنت خلال دراسته للطب، ولكن بعد ذلك يتعلم الطبيب ويكسِبُ خبرته من المريض. فقد ينسى الطبيبُ ما قاله المعلم، ولكن لا ينسى ما تعلمه من المريض. فممارسة المهنةِ أهمُّ أركان الطب، وبها نفرق بين الطبيب الخبير وغير الخبير.

التخصصات:

قد تكون دراسة الطب في المراحل الأولى غيرَ ممتعة، بل فيها بعض الصعوبات، ولكنها تتحسن وتصير أسهل، وفيها متعةٌ، كلما تقدمت مرحلةُ الدراسة.

سوف تتعلمون في بداية مراحلكم الدراسية معلوماتٍ ومصطلحاتٍ قد لا تعجبكم، ولا ترتاحون إليها في العلوم الكيمياوية والبيولوجية والتشريح، فلا ألومكم، لأني كنت كذلك. هذه المعلومات تشكل الأسسَ والقواعدَ التي ستُبنى عليها المعلومات الطبية. تعلموها وانجحوا في الامتحان ثم أنسوها، كما نسيناها. وليس هناك طبيبٌ يستطيع أن يتذكر كل تلك المعلومات الأساسية. سوف تنسَون الأسماءَ والمصطلحاتِ العديدةَ، ولكن الأساس سيظلًّ في الذاكرة، يسهل استرجاعه. أنا مثلاً لما كنت طالبًا مثلكم حفظت على سبيل المثال اسمَ كلِّ عظم وعضلة ووتر وعصب وشريان ووريد في الكف، وبعد الامتحانات، تبخر الكثير من تلك المعلومات، والآن لو تسألونني أن أعدد لكم مكونات الكف لما استطعت أن أعدد أكثرَ من 10% منها. فأنا كطبيب قلب لا أحتاج إلى أن أعرف اسم عظمٍ صغير في الكف لأمارس طب القلب. فللكف مختصٌّ آخرُ يعالجه.

كان الطبيب في الماضي طبيبًا لكل مرضٍ وكلِّ عضوٍ من الرأسِ إلى القدمِ، وللطفل والبالغ. أما الآن فالطب تخصصات وتشعبات وتفرعات. كان الطب في العصر العباسي في قمة علوم الطب في ذلك العصر. كان الطبيب هو الحكيم الذي أتقن كل فروع المعرفة، فالطبيب مثل ابن سينا وابن النفيس والرازي كان شاعرًا وصيدليًّا وفيلسوفًا وعالم موسيقى. ولكن ْتغيرَ ذلك بمرور الزمنِ والتوسعِ في العلوم والمعارف، فمن المستحيل أن يُتقنَ إنسانٌ وحدَه كلَّ علومِ هذا العصر.

فعصرنا الآن عصر التخصص الدقيق. ففي بداية القرن الماضي كان هناك تخصصان رئيسيان في الطب، تخصص جراحي أو باطني عام. ثم صار التخصص في داخل التخصص الجراحي أو الباطني كطب القلب والكُلية والغدد .. الخ. ثم صار التفرع في تخصص القلب إلى تخصص فرعي في الشرايين أو كهرباء القلب الخ.

نصائح:

في الختام أود أن أقدم لكم بعض النصائح التي تعلمتها من مرحلة كلية الطب:

  • اجعل النجاحَ في كلية الطب هو هدفًك، وليس التفوقَ على زملائك. يجبُ أن تغيرَ من تفكيرك السابق. التفوق على زملائك لن يجعلك طبيبًا أفضلَ، بل قد يبعدك عن زملائك. فحينَ تصبحُ طبيبًا، لا قيمة ولا أهميةَ لحصولك في الكلية على 90% أو 70% في مادة ما. ستجني علمًا ومعرفة وراحة أكثر من التعاون مع الزملاء بدلاً من منافستهم. تذكر أن الزملاء والزميلات في صفك في الكلية لم يقبلوا فيها إلا لأنهم حصلوا على درجات عالية وعندهم القدرة على التحصيل والمنافسة.
  • لا تجعل دراسة الطب سجنًا لنفسك: نظم وقتك وخذ لنفسك وقتًا للراحة وللرياضة وقراءة كتاب ممتع، في أي موضوع يعجبك، حتى لا تملَّ الدراسة.
  • قد يعتريك أحيانًا شعورٌ بالملل والإحباط لصعوبة درس، أو خوف من السقوط، وهو شعور عادي وقد يكون مؤقتًا. فقد يفيدك التحدث مع أحد الأساتذة الذين تثق بهم، أو التشاور مع زميل محبٍّ، أو طالب تعرفه في صف أعلى من صفك، ليخبرك عما مر فيه وكيف واجه تلك المشاعر. تذكر أنه كلما تقدمت في مراحل دراسة الطب كانت الدراسة أسهلَ وأمتعَ.
  • لا تكن انعزاليًّا بل كن اجتماعيًّا، وكوّن صداقاتٍ مع زملائك، وتعاون معهم على الدراسة والمذاكرة.
  • قد تلاقي زملاءَ كثيري التذمر من كل شيءِ في الكلية، فما وراء هؤلاء إلا الإحباط. الأفضل أن تبتعد عن مثل هؤلاء لأن الإحباط قد يعدي.

والآن وبعد أن بلغتُ من العمر عِتيًّا، لو عدتُ إلى الصبا ورجعت إلى سنكم، وخُيرتُ بين المهنِ المختلفةِ، لما اخترتُ إلا هذه المهنةَ الشريفةَ، مهنةَ الطب. ولما انتقدتني الصحافة لما كنت وزيرَ الصحة بأنه لا يجوز أن أجمع بين الطب والشعر أجبت:

الطبُّ في القلبِ والأشعارُ في صدري        كِلاهما  اقترنا   كالدُّرِّ  في  البحرِ

لم  يُزرِ شِــعرٌ بطبٍّ  إن هما  اقترنــا        كأنجمِ الليلِ ما ساءت  إلى  البدرِ

لا أبعدَ اللهُ عن عقلي  وعن  بصري        طِبَّ  الحكيمِ   وأبياتاً  من  الشعرِ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Go to top