بمناسبة انعقاد المؤتمر العاشر لجمعية القلب الخليجية في الرياض في فبراير 13-16 سنة 2013، يسرني بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن الجمعية أن أرحب بالحضور. وإني أنتهز هذه المناسبة لأقدم للقراء نبذة تعريفية عن تاريخ الجمعية، التي كان لي الشرف في أن أكون أحد مؤسسيها. وقد عبرت في حفل مؤتمر الجمعية السابق في 20يناير 2012 في مسقط عن سعادتي ببلوغها العيد العاشر، حيث قلت: 

أيا   جمعيةً    للقلبِ    دُومي            فعَقدٌ   قد مضى   ولكِ   التهاني

رعاكِ   اللهُ   يا    أمًّا   لجمعٍ           علت   مجدًا    وشمسًا    للعِيانِ

فإن كنتِ الصغيرةَ   بعدَ  عشْرٍ            ففضلُك    لا     يُقدَّرُ   بالزمانِ

        والواقع أن هذه الجمعية الأهلية الخليجية كانت حلمًا شخصيًّا لي. فخلال فترة تدربي في تخصص الأمراض الباطنية ثم القلب في الولايات المتحدة الأمريكية بين سنة 1973 – 1978، كنت أحضر اجتماعات جمعية القلب الأمريكية كل عام. وكنت أحلُم بجمعية مشابهة لها في الخليج، لها اجتماعاتها العلمية ومجلتها الطبية الخاصة. ولما عدت إلى الوطن من رحلة الدراسة والتدرب سنة 1978، وشرعت في إنشاء قسم متخصص لأمراض القلب في مستشفى الرميلة في الدوحة، نسِيت حُلُمي بالجمعية أو تناسيته لسببين: انشغالي في تأسيس قسم القلب، وندرة أطباء القلب الخليجين آنذاك.

وفي سنة 1979 تنبه مجلس وزراء الصحة لدول الخليج العربي (كما كان يسمى آنذاك) لتفشي أمراض القلب في المنطقة، فشكل لجنة للاهتمام بأمراض القلب، وزارني عضوان من تلك اللجنة قادمان من الكويت برئاسة الدكتور جورج أبونا، كما زارا دولا خليجية أخرى. وكانت الفكرة التي طرحاها للمناقشة معي خلال الزيارة، هي إنشاء مركز متخصص في إحدى دول الخليج لعلاج أمراض القلب، بدلاً من إرسال مواطنينا للعلاج في الخارج. وكانت الفكرة نبيلة. وفي الحقيقة لم تتحمس لها الحكومات الخليجية في ذاك الوقت، فماتت الفكرة في مهدها كما ماتت اللجنة عمليًا، وبقيت حبرًا على ورق. وبعد تكوين اللجنة بعشرين عامًا أي في عام 1999، التحقتُ بنادي وزراء الصحة لدول مجلس التعاون كوزير للصحة في دولة قطر، وأثناء انعقاد مجلس وزراء الصحة في مسقط في ذلك العام، شاركت في اتخاذ القرار التاريخي للمجلس، وهو إنشاء لجنة خليجية جديدة لأمراض القلب من نخبة من أطباء القلب الخليجيين برئاستي، وعَيّن كل وزير طبيبين من دولته في اللجنة. وفي فبراير 2000 عقدنا أول اجتماع للجنة في مدينة الدوحة، وناقشنا عدة مواضيع وأفكار لمكافحة أمراض القلب، وقررنا العمل على عقد مؤتمر خليجي لأمراض القلب يحضره المختصون في الخليج.

وخلال اجتماع اللجنة التي شكلها وزراء الصحة عاودني الحُلُم القديم، فأخبرت الزملاء أعضاء اللجنة بأن لقاءنا كان يحظى بتشجيع وتأييد زملائي وزراء الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو تأييد قد لا يدوم. لذلك اقترحت أن ننتهز الفرصة لإنشاء نواة لجمعية خليجية للقلب مكونة من أطباء اللجنة، على أن تكون جمعية مؤقتة، مهمتها الإعداد لتكوين جمعية أهلية دائمة من أطباء القلب في الخليج، والإعلان عنها في أول مؤتمر خليجي لأمراض القلب. ووافق الزملاء على الفكرة بالإجماع. وقد تبنت اللجنة المؤتمر الطبي لأمراض القلب والدورة الدموية الذي كنا في مؤسسة حمد الطبية في قطر نعد لانعقاده في الدوحة سابقًا، وحولناه إلى مؤتمر خليجي تحت إشراف اللجنة. وقد قررت اللجنة الخطوط العريضة وبنود المؤتمر، وحددت الفترة بين 15 – 17 يناير 2002 موعدًا لانعقاده، والدوحةَ مكانًا له. ورفعتُ محضر اجتماعنا لمجلس وزراء الصحة لدول الخليج العربي، فوافق على الخطة، وتبنى المؤتمر الطبي لأمراض القلب المزمع عقده، وشجع أطباء القلب على حضوره. وكان ذلك المؤتمر التاريخي هو المؤتمرَ الخليجي الأول لأمراض القلب في دول مجلس التعاون. فكان فرصة قيمة للتعارف ومد جسور التعاون بين أطباء القلب في الخليج. وخلال ذلك المؤتمر عقدنا جلسة خاصة لأطباء القلب الخليجيين الحاضرين، وناقشنا فكرة إنشاء الجمعية الخليجية لطب القلب، فتحمس الجميع لها، وتم الإعلان عن ولادتها قبل الانتهاء من ذلك المؤتمر في الدوحة يوم 16 يناير 2002. وبقي تدعيم وتشجيع وزراء الصحة لدول الخليج للجمعية وحضور وزير الصحة للدولة المضيفة مؤتمر الجمعية السنوي، وتحميل وزارة الصحة بعض أعبائه حتى سنة 2005 عندما خرجتُ من نادي وزراء الصحة، وتغير أكثر وزراء الصحة الخليجيين، فانقطعت تلك العلاقة التاريخية الحميمة بين وزراء صحة مجلس التعاون الخليجي والجمعية.

كان الهدف الرئيسي لجمعية القلب الخليجية بجانب أنها منتدى للعاملين في تخصص القلب، هو العملَ على تطوير الرعاية الطبية لمرضى القلب في دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال الخطط والأنشطة التي اعتمدتها الجمعية. ولتحقيق هذا الهدف السامي اتخذت الجمعية العديد من الخطوات العملية التي كان من بينها:

تنظيم المؤتمرات والندوات العلمية، ولقد تحقق ذلك حيث إن للجمعية مؤتمرًا سنويًّا وندوة سنوية تعقد في إحدى دول المجلس. كما أن من بين جملة الخطوات العملية التي اتخذتها الجمعية أيضا، القيام بإجراء أبحاث علمية في مجال تخصصها، وهو أمراض القلب، حيث بدأنا منذ سنوات في تنفيذ مشروع التسجيل الموحد لأمراض القلب في دول الخليج واليمن. ولقد نشرنا العديد من الأبحاث المهمة، ولا زلنا ننشر دراسات مبنية على أبحاث السجل الموحد في المجلات العلمية العالمية المتخصصة. وفي هذا المجال تمت مقارنة حالات علاج مرضى شرايين القلب في دول مجلس التعاون الخليجي، بغرض تصحيح أي قصور في الوسائل العلاجية والدوائية التي نعتمد عليها إن وجدت. وهنا تجب الإشارة إلى أنها كانت المرة الأولى التي تتم فيها دراسة علمية بهذه الضخامة، يتعاون في إجرائها متخصصون من أبناء مجلس التعاون الخليجي، بدون أي دعم مالي أو معنوي من الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي، لهذه الدراسة أو أي نشاط من أنشطة الجمعية. وخلال السنوات العشر أنجزت الجمعية عدة دراسات بحثية قام بها الزملاء في المستشفيات الخليجية ونشرت عالميًّا. وتعتبر البحوث الطبية أهمَّ إنجازات جمعية القلب الخليجية. لذلك قلت مفتخرًا:

وتفخرُ  لجنةُ    الأبحاثِ،   إنّا           نجحنا  في  البحوثِ   بلا   توانِ

وصارَ لجمعِنا في الكونِ صِيتٌ            يقصّرُ    عن     مداهُ     الفرقدانِ

كما قامت الجمعية بنشر المعلومات المهنية في مجلتها الرسمية والمجلات العالمية المتخصصة، وكذلك في صفحة الجمعية على الإنترنت، والنشرات الدورية التي يشارك في إصدارها أطباء القلب في الخليج واليمن، من خلال نشر مقالات وبحوث ودراسات، وخاصة في مجلة (Heart Views).

كما تم إنشاء علاقات مهنية وتعليمية وروابط ثقافية بين أعضاء الجمعية، ويتم ذلك من خلال إجراء اللقاءات بين أطباء القلب في دول مجلس التعاون مرتين سنويًّا للتعاون والتشاور والتخطيط لنشاطات الجمعية. ومن جملة الخطوات العملية التي قامت الجمعية باتخاذها إنشاءَ روابطَ مع معاهدَ ومنظمات مهنية عالمية. ولم تكتف الجمعية بالخطوات السابقة، فعززتها بخطوات أخرى، منها السعيُ لإصدار قوانين في دول مجلس التعاون للوقاية من أمراض القلب وتطوير علاج المرضى، حيث شجعت الجمعية من خلال رئيسها على إصدار تشريع مكافحة التدخين في دولة قطر. وكذلك ساعدت الجمعية الجهات الرسمية في وضع أسس ومتطلبات التدريب والتخصص في علاج أمراض القلب. وفي هذا الصدد كانت الجمعية هي التي اقترحت متطلبات البورد العربي للتخصص في جراحة القلب وكذلك للتخصص في أمراض القلب للأطفال.

إن تكوين جمعية القلب الخليجية هذه التي تضم المئات من أطباء القلب في مجلس التعاون الخليجي، تعد إنجازًا تاريخيًّا بكل المقاييس، يحسب لأطباء القلب في دول الخليج، حيث بدأنا منذ إنشائها في مد جسور التعاون بين المتخصصين في تشخيص وعلاج أمراض القلب طبيًّا وجراحيًّا في دول مجلس التعاون. ولقد نمت وتطورت تلك البدايات وازدهرت، وبدأنا اليوم نجني ثمارها. فالهدف الرئيسي لهذه الجمعية هو تطوير الرعاية الطبية المقدمة لمرضى القلب في دول مجلس التعاون، من خلال الخطط والأنشطة التي اعتمدتها الجمعية.

ولقد نجحنا بعون الله في تحقيق الكثير من أهدافنا. وأما بخصوص المستقبل فنحن نبني هذا الحاضرَ من أجل المستقبل. فالجمعية عازمة على المضي قدمًا لتحقيق كل أهدافها. وقد نجحت في وضع دلائل إرشادية لعلاج بعض أمراض القلب المهمة، مثلِ الجلطة القلبية واستعمال الأدوية المثبطة لتخثر الدم وعلاج شرايين الأطراف وضغط الدم وفشل عضلة القلب.

وللجمعية مقر في دولة قطر ومجلس إدارة مكون من 21 عضوًا منتخبًا يمثل سبع دول في مجلس التعاون الخليجي، حيث ينتخب كل فرع محلي للجمعية إن وجد، أو جمعية القلب المحلية ثلاثة أعضاء يمثلون تلك الدولة في مجلس إدارة الجمعية. كما ينتخب من مجلس الإدارة كل أربع سنوات هيئة إدارية تنفيذية تسيّر أعمال الجمعية.

لقد أصبحت جمعية القلب الخليجية جسرًا مهمًّا للتعارف والصداقة والتعاونِ بين المتخصصين في أمراض القلب، داخل وخارج دول مجلس التعاون الخليجي. وقد آن الأوان لأن تكون جمعيةُ القلب الخليجية الجمعيةَ الأمَّ الرئيسيةَ لكل المختصين في أمراض القلب في دول مجلس التعاون، وأن تكون جمعيات القلب المحلية فروعًا لها، تجسيدًا لروح الوحدة المنشودة بين دولنا. فجمعيتنا اليوم تعد معلمًا من معالم التعاون ورمزًا من رموز الوحدة بين زملاء المهنة في دول مجلس التعاون. وكلنا أمل ورجاء في أن تكون هذه الجمعيةُ المهنية مثالاً للتعاون المثمر يُحتذى به شعبيًّا ورسميًّا في الخليج. فالجمعية مشعل من مشاعل النور للتقدم العلمي والطبي الهادف إلى الرقي بمهنتنا الشريفة، وتحسين الرعاية القلبية لمواطنينا الأعزاء. وقد أشدت بها قائلاً في إحدى قصائدي:

يا عُصـبةَ القلبِ في علمٍ وفي عملٍ       قد بـاركـت جَمعَنا  دُورٌ  وأوطـانُ

كونـوا  لجمـعيةٍ  قامـت  لتجـمعَكمْ       ظَهراً منيعـاً فقد أمـسى لها شانُ

جمـعيةٌ   جـمَعـتْ   أشـتاتَ   أفـئدةٍ       أنَّـى  نــظرتُ  فأحبـابٌ   وخـلاّنُ

جمعيةَ القلبِ هُبِّي  الآنَ وانـطـلقي        تسمو بـكِ اليومَ أهـدافٌ  وإيـمانُ

      د. حجر أحمد حجر البنعلي
     رئيس جمعية القلب الخليجية
     2012
     

 

Go to top