لقد ذكرت في الحلقة الأولى أن العرب القدامى لم يفرقوا بين القلب والعقل والفؤاد، وذكرت في الحلقة الثانية أن كلمة الفؤاد مشتقة من (فأد) أي شوى، والمفتأد مكان شي اللحم، واستشهدت بقول النابغة الذبياني عندما وصف ثوراً وحشياً يطعن كلب صيد بقرنه: 

شكَّ الفريصةَ بالمِدرى فأنفذَها            شكَّ المُبيطرِ إذ يَشفي من العَضَدِ

كأنه خارجاً من جنب  صفحته            سَفُّودُ  شَرْبٍ  نَسَوهُ  عند  مُفتأدِ 

المبيطر: طبيب الدواب (البيطار) والعَضَد: مرض يصيب الحيوان، والسفود: حديدة كالعود يشوى فيها اللحم، والمفتأد: محل شي اللحم، فمعنى (التفؤد): التوقد، وسمي القلب فؤاداً لتوقده.

فمن أين أتت فكرة التوقد للقلب عند العرب حتى سموا القلب فؤاداً؟ 

9- القلب عند الإغريق:

أكاد أجزِمُ أن كلمة الفؤاد العربية، اشتقت واستنتجت من الطب القديم، ألا وهو طب الإغريق الذين اعتقدوا أن القلبَ بمثابة الفُرن للجسم. فأفلاطون (427-347 ق. م. Plato) من أعظم فلاسفة اليونان قال إن العاطفة والحرارة مركزهما القلب. وكان يعتقد أن حرارةَ الروح تنتجُ عن اختلاط الدم والهواء في القلب، وأن الدم الذي يسري من الكبد إلى الأنسجة يستهلك تمام الاستهلاك ويحل محله دم جديد.

وفي الإسكندرية استطاع طبيبُها هيروفيلس Herophilus أن يشرّح جسم الإنسان أول مرة في التاريخ، حسب علمي، بموافقة حكومة الإسكندرية (300 قبل الميلاد) بينما كان الذين قبله قد شرحوا الحيوانات فقط. ولم يكن تشريح جسم الإنسان مقبولاً في اليونان نفسها آنذاك. وبعد التشريح استنتج هيروفيلس أن الحياة تنظمها أربع قوى:

القوة المفكرة: ومركزها المخ، والقوة الحاسة: ومركزها الأعصاب، والقوة الحارة: ومركزها القلب، والقوة الغذائية: ومركزها الكبد. وهيروفيلس هذا أول من عد نبض القلب مستعيناً بساعة مائية وكانت له شهرة في دراسة القلب والمخ(1).

وفكرة القوة الحارة في القلب أو أن القلب فرنُ الجسم،ِ هو الأصلُ في اشتقاق كلمة الفؤاد المرادفة لكلمة القلب،ِ ولكن العرب لم يقتصروا على كلمة الفؤاد فقط للدلالة على لهيب الشوق، بل استعملوا القلب تارة والفؤاد تارة أخرى، للدلالة على نفس المعنى، كما قال عبد الله بن الدمينة: 

غدتْ مقلتي في جنةٍ من جَمالِها     وقلبي غدَا من حبِها في جهنَّمِ 

10- القلب والكبد :

إذا سلمنا الآن بأن ألفاظ (القلب والعقل والفؤاد) استعملت للدلالة على شيء واحد، ثم كثرت المترادفات المستعملة للدلالة على هذه الكلمات، فكلمة (اللب) مثلاً  تستعمل للدلالة على القلب أو العقل. ولكن لا شك أن كثيراً من الشعراء لم يعرف مكان القلب في الجسم، مع أن أغلبَهم يدرك أنه في الصدر، وقد خاطبهم بذلك القرآن بقوله تعالى (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)، ولكن ظن بعض الشعراء أن القلب في البطن (وليس ذلك بغريب حيث إني في القرن الحالي أرى مرضى في عيادة القلب يشيرون إلى الجزء العلوي من بطونهم بدلاً من صدورهم عندما يشكون من قلوبهم).

ليس هذا فحسب، ولكن لم يفرق بعض الشعراء بين الكبد والقلب، فظن أنهما عضوٌ واحد في وسط البطن أو أعلاه، وفي لسان العرب لابن منظور "كبِدُ كل شيء وسطه ومعظمه" لذلك وصف عروة بن حزام ما يحس به من خفقان كأن جناح قطاة على كبده: 

كأنّ قطاةً عُلَّقت بجناحها    على كبدي من شدة الخفقانِ 

ولقد ذكرت سابقاً أيضاً أن قلب الشيء في اللغة وَسَطه، لذلك انطلقوا من أن خير الأمور أوسطُها، وهو أفضلُ وأعزُ ما فيها. ولذلك اعتبر البعضُ الكبِدَ أساسَ الحياةِ، بل استعملت كرمز للحياة، حيث إننا نسمع من بعض أهل الخليج والعراق من يخاطب شخصاً عزيزاً لديه بقوله: "يا بعدْ كبدي!"، أي يدعو أن يعيش المنادى بعد حياة المنادي، فمعنى كبدي هنا حياتي.

ولقد أناط العربُ العواطفَ بالكبد، بل وصفوا الأحباء بالأكباد، وأشهرُ بيتين يُتمثل بهما في أدبنا العربي ما قاله حطَّانُ بن المُعلَّى(2): 

وإنـما      أولادُنـــا     بيننـا       أكبادُنا تمشي  علـى الأرضِ 

لو هبّت الرّيحُ على بعضِهْم       لامتنعتْ  عيني  من الغمضِ 

حيث قصد بالأكباد هنا القلوب. ولقد سار الشعراء العرب على ذلك النهج التراثي حتى يومنا هذا، لأن العرب تستحسن ذلك الوصف وتطرب له، حتى إنني الطبيب العارف بوظائف الأعضاء لا أتردد في أن أقول في سنة 2000 في قصيدتي عن الصيف: 

أطفالُـنا  أكـبادُنا   ولهمْ        أحشاؤنا  وقلوبُنا  نَهْبُ 

فما الذي جعل العربَ يضعون تلك الأهميةَ للكبدِ حتى قرنوها بالعواطف والأحاسيس؟ الجواب كما أرى، أنهم تأثروا بالحضارات التي سبقتهم، ولكنهم لم يأخذوا ذلك من اليونانيين ولا من المصريين قبلهم، ولكن من البابليين الذين سبقوا الإغريق والمصريين، ولكنهم كانوا جغرافياً

أقربَ للعرب من غيرهم وأكثرَ اتصالاً بهم.

ولكن قبل أن أتحدث عن الكبد في تاريخ الطب، لا بدَ من أن أبدأ الحديث عن أهمية الكبد ووظيفتها في طبنا الآن، حتى يتمكن القارئُ من مقارنةِ الأفكار القديمةِ بالعلم الحديثِ والواقع الحالي لوظيفة الكبد. 

11- الكبد في الطب الحديث:

الكبدُ جهازٌ منظفٌ للدم، يزيل الشوائب والفضلات الضارة والسموممنه، وهي العضو الذي يفتت الأغذيةَ والأدويةَ والعقاقير التي تدخل الجسم، ويحللها إلى موادَّ أخرى صالحةٍ للاستهلاك أو لتخليص الجسم منها. كما أن الكبدَ تُنتج العديدَ من المواد الحيوية، وتنظم حجم الدم في الجسم، كما تُزيل كُراتِ الدمِ الحمراءَ القديمة من الدم. لذلك فإن المرض المعروف في اللغة باليَرقان وفي الخليج بـ "البصفار" الذي يسبب اصفرار الجلد والعين، وغالباً يَدُلُّ على وجود مرضٍ يمنع الكبِدَ من أداءِ مهمتها في التخلص من مكونات كرات الدم الحمراء التي تصبغ الجلدَ، مثل التهاب الكبد الوبائي، وتلف الكبد بسبب الخمور، أوانسداد المرارة.

فالكبدُ أكبرُ غدةٍ في الجسمِ وهي ضروريةٌ للحياة، ولا يمكن العيشُ دونها، ولكن ليس لها أيةُ علاقة   بالعواطف والمشاعر النفسية. 

12 - الكبد عند البابليين:

لم يهتمَّ البابليون بأي عضو من أعضاء جسم الإنسان اهتمامهم بالكبد، وكانوا يعتبرونها أهمَّ عضوٍ حيوي في الجسم، ولم أعثر على ما يدل على أنهم شرّحوا عضواً غير الكبد. وكانوا يعتقدون أن آلهتهم تكشفُ نواياها في الأحشاءِ وخاصة الكبدَ. فكان الكاهنُ يقرأ كبد الحيوان الذي ذُبح قرباناً للآلة كما يقرأ الناس الكف هذه الأيام، كما يدعون، ويتنبؤون بالشفاء والموت أو الحظ. ولقد أخذ الآشوريون واليونانيون ثم الرومان من البابليين قراءة الكبد للتنبُؤ بالمستقبل. كان الإنسان البابلي في منطقة ما بين النهرين يعتقد أن القلب مركزُ العقل والذهن، والكبدَ مركزُ العواطف والأحاسيس والمشاعر، والمعدةَ مركزُ الدَّهاء، ومن البابليين انتقل ذلك الاعتقادُ عن الكبد إلى العرب. كما أخذ العربُ من المصريين القدامى أن القلبَ أيضاً مركز العواطف، كالحب الذي قال عنه مجنون ليلى: 

وما حبُّ الديار شغَفْنَ قلبي     ولكن حُبُّ من سكن الديارا 

وقال بشار بن برد الذي حُرم نعمة البصر: 

فقلتُ دعوا قلبي  وما اختار  وارتضى     فبالقلب لا بالعَين يُبصِرُ ذو الحُبِّ

فما تبصر العينان في موضع  الهوى    ولا تسمع  الأذنان  إلا من القلبِ  

13 - القلب عند المصريين القدامى:

اعتبر المصريون القلب مركز الإحساس والمشاعر، وتبعهم بعضُ فلاسفةِ اليونان مثلُ أرسطو الذي قال: إن للقلب أعصاباً عديدة. ولقد فاق المصريون القدماء البابليين في فهم دور القلب، بل فاقوا أطباء الإغريق الذين أتوا بعدهم، حيث إن آراء المصريينَ القدماء عن القلب والدورة الدموية أقربُ إلى الواقع من آراء اليونانيين. قال المصريون في بردية (إبرز): "إنّ القلبَ يستقبل الدم والهواء والسوائل ويوزعها، وإن النبض الذي يستحس في مختلف أجزاء الجسم إن هو إلا كلام القلب فيها" (3). ولم يفهم اليونانيون معنى ذلك، أو إنهم لم يطلعوا عليه.

والواضح أن العرب أخذوا من البابليين والمصريين القدامى الكثير من أفكارهم، ونقلوها إلينا في أشعارهم الخالدة. فكم يعجب المرء منا عندما يقرأ أبيات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الذي وصف حبيبته، وكأنها أجرت عملية جراحية على قلبه، وذرّت فيه حبها الذي تغلغل فيه ووصل إلى أماكن محصَّنة لا يصل إليها شيء(4): 

شققتِ القلبَ ثمَّ ذررتِ  فيهِ           هواكِ فلِيمَ  فالْتأمَ  الفُطورُ

تغلغلَ حبُّ عثمَةَ في  فُؤادي           فباديهِ مع الخافي يَسيرُ

تغلغل حيثُ لم يَبلُغ  شرابٌ            ولا حُزنٌ  ولم يَبلُغ سرورُ 

أطلق المصريون على المعدة (روب- نيب) ومعناها فم القلب(3) وبقيت التسمية كذلك في الطب حتى الآن، فالإغريق سمّوها (ستوما-خون) ومعنى ستوما فم، وفي الإنجليزية واللاتينية تطلق كلمة (Cardia) أي القلب على أعلى المعدة. ويقول إخواننا المصريون عمن يشعر بميل إلى التقيؤ (قلبه قايم عليه) بينما نقول نحن في الخليج (كبده لايعة) لوصف نفس الإحساس.

فلقد أخذ العرب عن اليونان أن القلب مصدر الحرارة، واشتقت كلمة الفؤاد من ذلك، وأخذوا من المصريين أن القلب مركز المشاعر والعواطف، ومن البابليين أهمية الكبد للحياة وأنها تعمل عمل القلب، وهي أعز ما في الجسم، فأطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض كما ذكرت سابقاً.

إذن القلب هو الفؤاد عند العرب وهو مركز حرارة الجسم، والحب يزيد حرارة القلب ناراً واشتعالاً، بل إن الحب يحول قلب المحب إلى جهنم كما قال عبد الله بن الدمينة في البيت المذكور أعلاه: 

غدت مقلتي في جنة من جمالها     وقلبي غدا من حبها في جهنّمِ 

أما عمر بن أبي ربيعة، شاعر الحب والغزل، فهل عرف من أين ينبع لهيب الشوق؟ أهو من الرئة أم من الكبد؟ لقد قرر وضعه بينهما، وقصد بما بينهما القلب، فأوحى لنا بأن لهيب الحب الذي ينبع من القلب يحرق جارتيه الكبد والرئة، فيمنع المحب من النوم، وذلك هو قصد الشاعر في وضعه بين السَّحْر (الرئة) والكبد حيث قال: 

يؤرقه  لهيب   الشو       قِ بين السَّحْر والكبدِ
فيمسك  قلبه  بيدٍ        ويمسح   عينه بيدِ

                                                          (يتبع)

المراجع:

     (1)  Herophilus: the Art of Medicine in Early Alexandria by H. V. Staden.

(2)       ديوان الحماسة لأبي تمام.

(3)        د0 بول غليونجي: قطوف من تاريخ الطب.

(4)        زكي مبارك: الموازنة بين الشعراء.

 

Go to top