قال النبي (ص): ما من مسلم يمرض مرضا إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرةُ ورقها".

وكتب أديب إلى عليل:

 

نبئت أنك معتلٌ فقلت  لهم:        نفسي الفداءُ له من كل محذورِ

يا ليتَ علتَهُ بي ثم كانَ له        أجرُ العليل  وأني غيرُ  مأجورِ (2)  

 

وكتب آخر إلى عليل يقول له: أتمنى أن أكون الشاكي من العلة ولك أجر المريض:

 

وقيناك لو يعطى الهوى فيك والمنى      لكان بنا الشكوى وكان لك الأجرُ

 

وقال (ص): "حق المسلم على المسلم ثلاث: عيادة المريض، وتشميت العاطس وتشييع الجنازة". فعيادة المريض: زيارته، وفي اللغة عادَ العليل يَعودُهُ عَوداً وعِيادَةً وعِياداً أي زارَهُ. ويقول ابن منظور في لسان العرب: "كلُّمن أتاك مرةً بعد أخرى فهو عائد، وإن اشتهر ذلك في عيادة المريض حتى صار كأنه مختصٌّ به".

وفي كلمة العيادةِ معنى تكرار الزيارة وتخفيف الجلوس. وقد قال بكرُ بن عبد الله لقوم عادوه في مرضه فأطالوا الجلوس عنده: المريضُ يعادُ والصحيحُ يزار(1). أي أن عيادة المريض تكون قصيرة وزيارة الصحيح قد تطول.

فالمريض يحتاج إلى كسر العزلة وقطع الوقت برؤية الأهل والأصدقاء وسماع أحاديثِهم التي ترفه عن نفسه وتنسيه المرضَ وتخفف عنه الهموم والوساوس. كما أنه يحتاج إلى أوقات من النوم والراحة التامة بدون إزعاج من الزائرين.

في سنة 1979 ذهبتُ الساعة الواحدة من ظهر أحد الأيام للاطمئنان على مريض في وحدة إنعاش القلب في مستشفى الرميلة. وكان المريض قد أصيب بجلطة قلبية سببت له ألما وأرقا. ولقد سعدت عندما أخبرتني الممرضة أن ألمه قد خف وأنه قد نام قبل دقائقَ. وقبل أن أنصرف أتى زائر لزيارة المريض فأخبرته الممرضة أنه لا يُسمح للزائرين بزيارة المريض في ذلك الوقت. ولكن الزائر أصر على زيارة المريض وصرخ بالممرضة. فتدخلتُ لمساعدة الممرضة وشرحت للزائر حالة المريض وأخبرته أن المريض نائمٌ وفي حاجة ماسة إلى الراحة. فقال لي إن المريض عزيز جداً عليه ولن يرتاح قبل أن يراه، ورجاني أن يلقي نظرة عليه ليطمئن قلبُه. ووعد أن يكون هادئا وصامتا حتى لا يزعج المريض. فأخذته بهدوء إلى غرفة المريض ليلقي نظرة عليه قرب الباب. فتقدم نحوه ووضع شفتيه على جبهة المريض وقبّله بصوت عال أيقظ المريض وأزعجه، مما سبب له الإحساس بالألم. ولقد أغاظني تصرف الزائر فأخرجته من الغرفة. ثم اعتذرت للمريض عن خطئي في السماح للزائر "العزيز" بالدخول عليه. وأسعفته بحقنة خففت ألمه. وقال لي المريض بعد أن خرج الزائر وخف الألمُ: "إن الزائرَ لم يكن صديقا عزيزا كما ادّعى ولكنه لم يشأ أن يعود، بعد أن وصل المستشفى، بدون أن أراه حتى لا يضطر إلى زيارتي زيارة أخرى. فتعمد تقبيلي بصوت مرتفع كي أصحو". عند ذلك أدركت أن الزائر أراد أن يسجل موقفا على حساب راحة المريض المسكين. ولذلك فإنه يجب أن نحمي المرضى من زيارات غير مرغوبة وزيارات في الأوقات التي يحتاجها المريض للراحة.

 

آداب العيادة:

ومن آداب عيادة المريض تخفيفُ الجلوس، وهو من السنة، وكذلك ذِكرُ الأحاديث التي تجلب السرور والتفاؤل إلى نفس المريض، وتجنبُ ذكر الموتى والأمراض المستعصية التي لا شفاءَ لها. قال يوحنا: "بشروا المريضَ بالبُرءِ ونشطوه لشرب الدواء، ولا تصعبوا عليه العلة فتخافَ نفسه ويموتَ حسه". وقال أبقراط: "حدثوا المريض عن حال من كان في أصعب من علته فبرئ، ولا تحدثوه عمن كان في مثل علته فمات". وقيل: أدبُ العيادة تشجيعُ العليل بلطيف اللطف وحسن الفال (3).

دخل رجل على عمرَ بنِ عبد العزيز يعوده في مرضه فسأل عن علته، فلما أخبره قال: "من هذه العلة مات فلان ومات فلان". فقال عمر: "إذا عدت المرضى فلا تنعَ إليهم الموتى وإذا خرجت عنا فلا تعد إلينا"(2). وقيل: سوء العيادة تلقيح العلة، أي يزيد العلة سوءً.

عاد رجلٌ عليلا فقال: "ما علتك"؟ قال: "وجع الركبة:. فقال: "إن جريراً قال بيتا ذهب عني صدره، وآخره:

 

                     وليس لداء الركبتين دواءُ

 

فقال العليل: "ليتما ذهب عنك عجزه مع نفسك"! وهو بذلك يتمنى لو أن الزائر فقد عجز البيت وفقد روحه أيضا. وكان البيت:

 

 تحن العظام الراجفات من البلى      وليس لداء الركبتين دواء

 

وقال شاعر:

 

حقُ العيادةِ  يومٌ  بعدَ  يومين          وجلسة لك مثل اللحظ بالعينِ

لا تُبرِمنّ مريضاً في  مساءلةٍ          يكفيك من ذاك تسآلٌ بحرفينِ

 

دخل قوم على السري السقطي وهو عليل فأطالوا الجلوس وقالوا: "ادع لنا" فقال: "ارفعوا أيديكم وقولوا: اللهم اجعلنا ممن علمتهم عيادة المرضى"!

ودخل قوم على مريض فأطالوا ثم قالوا: "أوصنا". قال: "أوصيكم ألا تطيلوا الجلوس عند المريض إذا عدتموه". ودخل ثقيل على مريض فأطال الجلوس ثم قال: "ما تشتكي  قال: "قعودك عندي"(3). لأن المريض قد يَمَلُ إطالة الحديث بسبب ما يعاني من الجهد والإنهاك نتيجة المرض. أمَّ الصحيحُ فقد يكون متفرغا للحديث وقد يتذمر من قصر الزيارة كما قال الشاعر:

 

وزائرٍ  زار  وما   زارا               كأنـه    مقتبسٌ   نـارا

ألمّ  بالباب  أخا   نجوةٍ               ما ضره  لو  دخل  الدارا

نفسي فداءٌ لك من زائرٍ               ما حلَّ حتى قيل: قد سارا

 

كما أن من آداب العيادة والزيارة عدم المبالغة في تكرار الزيارات. قال النبي (ص): "زر غِباً تزدد حباً". وقال الشاعر:

 

أتاني زائراً   يحكي  هلالا             واتبعني  صدودا  مستطالا

فقلتُ: ألا تعود فقال: لا لا             دوام الوصل يوردك المَلالا(2)

 

وقال أبو تمام:

 

فإني رأيتُ الشمسَ  زادت محبةً     إلى الناس أن ليستْ عليهم بسرمدِ

 

وقال آخر:

 

عليك  بإغباب  الزيارةِ  إنها           تكونُ إذا دامت إلى الهجرِ مسلكا

فإني رأيت الغيثَ يُسأمُ دائماً           ويُسألُ  بالأيدي  إذا  هو  أمسكا(3)

أما المبالغة في تجنب العيادة بعذر أن المريض يحتاج إلى الراحة فهو أيضا مذموم لأن المريض سيشعر بأن الصديق الذي يبخل بالعيادة لا يهتم به وسيشعر كما شعر جحظة البرمكي عندما اشتكى من بخل الناس في عيادته مع أن في العيادة أجراً:

 

مَرِضتُ فلم يكن في الأرض حرٌّ        يشرفني  ببرٍ  أو  سلامِ

وضنوا  بالعيــادة  وهي أجرٌ        كأن عيادتي بذل الطعامِ

 

الحث على تنشيط المريض:

ويجب تشجيع المريض على تناول الدواء وقد قال (ص): "تداوَوا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء". وقال (ص): "ما أنزل الله داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله". وإذا جهل الطبيب علاج مرض مستعص لعدم اكتشاف الطب علاجا لذلك المرض، فمن الواجب تقوية عزيمةِ المريض وصبره واتكاله على الله في شفائه من المرض. فالمريض الذي يملك العزيمةَ القوية والرغبة على الصبر والمقاومة تقوى مناعتُه الجسمية لمقاومة المرض.  

عاد الفرزدق مريضا فقال:

 

يا طالبَ الطِّبِّ من  داء تخوَّفَه     إن الطبيبَ الذي أبلاك  بالداءِ..

هو الطبيبُ الذي يُرجى لعافيةٍ     لا من يُذيب لك الترياقَ  بالماءِ

 

عيادة المحبين والعاشقين:

وأخيرا لا بد من التطرق لما قاله المحبون من الأشعار في عيادة الحبيب.

قال عبد الله بن مصعب:

 

           مالي مرضت فلم يعدني عائد     منكم ويمرض كلبكم فأعودُ

 

وقال آخر:

 

          إذا مرضتم أتيناكم نعودكم        وتذنبون فنأتيكم  ونعتذرُ

 

وقال العباس بن الأحنف:

 

            قالت مرضت فعدتها فتبرمت     فهي الصحيحة والعليل  العائدُ

            والله لو كان القلوبَ  كقلبها      ما رق  للولد  الصغير  الوالدُ

 

وقال سحيم عبد بني الحسحاس:

 

يعدنَ مريضا هنَّ هيجنَ داءَه          ألا إنما بعضُ العوائدِ  دائيا(4)

 

ومن أرق الأشعار أبيات للشاعرة علية بنت المهدي، أخت الخليفة هارون الرشيد، صاغتها للغناء وقالتها على لسان ذكر:

 

تمارضتِ كي أشجى وما بكِ علةٌ       تريدين قتلي  قد  ظفرت  بذلكِ

وقولك  للعوادِ: كيف تــرونه؟       فقالوا: قتيلا، قلت: أهونُ هالكِ

لئن ساءني  أن نلتني  بمساءةٍ        لقد  سرني أني  خطرتُ  ببالكِ  

 

وأخيراً أو أن أضيف على المقال أعلاه أن للمريضِ حقاً على الطبيب عند زيارته ذكرته في قصيدة (الأرجوزة الصيفية) المنشورة حديثاً:

 

النصحُ خيرٌ  لا أرى  أن  يُضـمَرا        أفصِحْ  بنُصحٍ للمريضِ  والوَرى

من واجبي أُزجيك نصـحاً واضحا         شأنُ الطبيبِ  أن  يكونَ  ناصِحا

بشّرْ  مريضاً  يـا   طبيباً   راعِيا        ما  كـانَ  آسٍ  لمريضٍ   ناعِيا

خُذهُ   برفقٍ  لا  تـقطِّبْ   وجهَكا        لو كنتَ  تخشى يائساً  أن  يَهلَكا

عالجتُ  مَنْ  في  قلبِهِ  قـد ابتلى        بيّنت ما يُـخشى وما  قد  أَشْكَلا

داوِ  مريضَ  القلبِ إن  قلبٌ ذَوى        بالعطفِ والإرشادِ ما  قبلَ  الدوا

 

 ""

المراجع:

1.     البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي.

2.     المخلاة لبهاء الدين العاملي.

3.     محاضرات الأدباء للأصبهاني.

4.     العقد الفريد لابن عبد ربه.

 

Go to top